⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا ينبغي أن يصرفه مثل هذا الجواب عن الاستمرار على تقديم النصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتنويع الأساليب التي يُصلِح بها –قدر استطاعته– أحوال الواقعين في شيء من المعاصي والآثام؛ لأن الذي يدعو إلى الله تبارك وتعالى وينصح الناس ويوصيهم بالحق لابد أن يصبر على الأذى الذي سيلاقيه، فإن طريق الدعوة إلى الله تبارك وتعالى ونصح الناس مليء بمثل هذه العقبات.
فلا تضق نفسه بما يسمعه من أذى، ولا ينبغي له أن يأنف من المداومة على نصح غيره بمثل هذه الأقاويل والعقبات التي سيواجهها، وإنما عليه أن يبحث عن وسيلة أخرى، وأن يأخذ من مثل هذه الكلمات التي يسمعها ما يعينه على أن يلِج إلى نفوس المدعوين.
فمثل هذا الخطاب –على سبيل المثال– يمكن أن يُرَدَّ عليه: إنه من أجل ذلك أنصحك؛ فقد وقعت في نفس الأخطاء، وتبين لي الظلام الذي كنت فيه، ورأيت المعاناة، ويبين له شيئا مما مر به مما يبغضه في تلك المعصية، ثم يبين له فضل الله عز وجل عليه بالتوبة بعدما أضاع عمره في مقارفة تلك المعصية، ويبين له حَدْبَهُ عليه، وأنه لا يريد له أن يضيع مثل تلك المدة، وأن يمر بمثل تلك التجارب والهنات التي وقع فيها، وليتلطف في القول معه، فليوطن نفسه على مواجهة مثل هذه الصعوبات.
فإن الاضطلاع بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق يحتاج إلى احتمال للأذى، وكظم للغيظ، وصبر على أذى الناس، وصلة متينة بالله تبارك وتعالى تعينه على تخطي مثل هذه العقبات، وأن يحتسب الأجر والثواب من ربه جل وعلا.
أما أخونا الذي وقع في أن يرد على الناصح له بمثل هذا القول، فأيضا نهمس في أذنه: إن الناصح لك ما نصحك إلا من محبته لك، ومن قصده الخير لك، وأن يجنبك الوقوع في ما أنت فيه، فخذ منه واقبل نصحه، واسعَ قدر استطاعتك إلى أن تدرب نفسك على القبول، وأن تجاهد هذه النفس، وأن تحسن الظن في إخوانك الذين ينصحونك؛ فما قصدوا التشهير، ولا التثريب، ولا التحقير.
وأنت إن استجبت لهم، ففي الحقيقة أنت تتغلب على نفسك، لا تظن أن غيرك ينتصر عليك، بل أنت المنتصر؛ لأن قبول الحق يعني الانتصار، والتمسك بالصراط المستقيم يعني أنك تعتز بالله تبارك وتعالى، وتعتز بانتمائك إلى هذا الدين الحنيف، وأنك عُرضة للخطأ، ولكنك لا تصر على الخطأ؛ لا يصر على الخطأ إلا المغرور المكابر الجاهل والعياذ بالله.
أما الذي يتحرى مرضاة ربه، ويسعى إلى الفوز في الآخرة، فإنه يقبل النصح ممَّن كان؛ حتى ولو كانت هذه النصيحة من مجنون، أو كانت ممن هو مجاهر بالمعصية، لكن النصيحة في ذاتها حق وصواب، فإنه لا يأنف من قبولها، ويفتش في ثنايا نفسه عن حقيقتها، ويسعى إلى أن يستفيد من غيره، وأن يتعظ بغيره؛ فإن العاقل من اتعظ بغيره لا من كان عِظةً لغيره.
والله تعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل.