مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

دور الإعلام والأوقاف

ما الدور الذي ينبغي أن تقوم به المؤسسات الإعلامية ووزارة الأوقاف وغيرها في تعزيز القيم والأخلاق في المجتمع؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نبدأ بسؤال الأخ حمد الحسني: الدور الذي ينبغي أن تطلع به أو أن تقوم به المؤسسات الإعلامية ومؤسسات ووزارات الأوقاف وغيرها في تعزيز القيم والأخلاق في المجتمع. باختصار: القيم تختلف بحسب المعايير التي تُقاس بها عند الناس، أي بحسب تصورات الناس، ونحن لا نعتبر القيم إلا القيم التي جاءت من عند الله سبحانه وتعالى، لأن الله هو الذي فطر الإنسان وعلّمه، وعلم ما تنطوي عليه فطرته، وما تحتاج إليه حياته، وما يصلحه وما يفسده، وقد قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]. فإذا كان الإنسان صُنْعَ الله سبحانه وتعالى، فإن جميع القيم التي تتعلق بهذا الإنسان يجب أن تكون مستوحاة من عند الله، لا أن تكون قيماً ترابية، أو قيماً تعود إلى مقاييس البشر التي تختلف بين حين وآخر، وتؤثر عليها المؤثرات الكثيرة. وعالم اليوم إنما مشكلته هي مشكلة القيم، فعالم اليوم هو بحاجة إلى القيم، سواء القيم العقائدية، أو القيم الأخلاقية، أو القيم الاجتماعية، وبحاجة إلى هذه القيم. العالم اليوم قطع شوطاً كبيراً في التقدم في شتى مجالات الحياة، واستطاع أن يحقق ما لم يحققه عبر القرون السابقة، فقد خبر الإنسان الطبيعة، وغاص في أعماقها، ووصل إلى حد بعيد بحسب مقاييس الخلق، وإن كان لم يستوعبها، ولم يستطع أن يحيط بجميع أسرارها، لأن الطبيعة هي حقيقة من صُنْعِ الله تعالى، والله وحده هو الذي يحيط بها علماً، وإنما يكشف لعباده من أسرار خلقه في كل وقت ما تزداد به حجته عليهم، ويقوى به البرهان الذي يتمسك به المؤمنون من عباده. هذا العالم استطاع أن يدخل في أعماق الطبيعة، واستطاع أن يَسْخَر الطبيعة، واستطاع أن يحقق إنجازات هائلة لا تدخل في خيال أحد عبر القرون الماضية؛ ما كان أحد يتصور أن الإنسان يمكنه في أي جزء من العالم أن يتحدث إلى أي أحد في العالم، في أي بقعة من هذا العالم، ما كان أحد يخطر بباله ذلك، ولا كان يخطر باله أن يمكن أن يتحدث إلى أحد وهو يرى صورته، أو أن يتحدث إلى الناس وتتوزع صورته عبر الشاشات كما يتوزع صوته عبر وسائل الإذاعة في شتى بقاع العالم. هذا ما لم يكن يخطر على بال أحد قط، وإنما تحقق ذلك، وقد زويت هذه الأرض من أطرافها، حتى أصبح العالم بأطرافه كأنما هو غرفة صغيرة. إلا أن الإنسان مشكلته أصبحت مشكلة القيم، لأنه فقد العقيدة، وفقد الأخلاق، فقد العقيدة لأنه لم يؤمن بالله تعالى الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، والذي تسبح بحمده كل ذرة في السماوات والأرض، وتُعرب عن افتقارها إليه، وتُعرب عن وحدانيته سبحانه وتعالى، وتُعرب عن اتصافه بالكمالات؛ الإنسان تجاهل هذه الحقيقة، فلذلك فقد القيمة الإيمانية. بفقدانه القيمة الإيمانية تبلبلت عنده الحياة؛ لأن الإنسان عليه أولاً أن يؤمن بالله سبحانه وتعالى، ومن خلال هذا الإيمان يدرك أنه لا بد من أن يطيع ربه، وأنه لن يأمره سبحانه وتعالى إلا بما فيه خيره، ولا ينهاه إلا عمّا فيه ضرره وشره، فكل أمر يأتي من قِبل الله سبحانه وتعالى يجب أن يُسلِّم له تسليماً، والإنسان إن آمن هذا الإيمان لا ريب أن إيمانه هذا يدفعه إلى طاعة الله، ولكن قد تصادف عقبات من أهوائه ورغباته ونزغاته ونزواته. هذه الأهواء إنما تُذَلَّل بالإيمان باليوم الآخر، ولذلك كان الإيمان باليوم الآخر رِفد الإيمان بالله؛ لأن الإنسان إذا آمن بالله آمن بالمبدأ، وعرف حق المبدأ، وإذا آمن باليوم الآخر آمن بالمنقلب، وأحس بأنه لا بد من أن يعمل لصالحه ومنفعته وسعادته في ذلك المنقلب، وبهذا يستطيع أن يضبط حياته ضبطاً متقناً محكماً، وأن يستعلي على رغبات نفسه ونزواتها، وأن يتحكم في عواطفه وغرائزه، وأن يتحكم في دوافع نفسه التي تدفعها إلى الانتقام من غيره. بفقدان الإنسان هذه القيمة الإيمانية أصبح فاقداً للهدف في هذه الحياة، يعيش في حياته لغير هدف، وإن كان له هدف فإن هذا الهدف لا يعدو أن يكون هدفاً مادياً، هدفاً يرتبط بالمصالح الأرضية أو المصالح السطحية التي يتصورها الإنسان، بخلاف ما إذا كان مؤمناً بالله واليوم الآخر، ومن أجل هذا دخل الناس في تنافس في الشرور، وصاروا سبباً للدمار في الأرض بدلاً من أن يكونوا سبباً لتعميرها. وكذلك فقدوا القيم الأخلاقية؛ وبسبب فقدان القيم الأخلاقية انحلت الوشائج التي تشد الناس بعضهم إلى بعض، وتفككت الروابط، وأضحى كل أحد يهيم بنفسه في هذه الحياة من غير أن يشعر برباط مقدس بينه وبين بني جنسه؛ فلا الأب يرعى حقوق أولاده، ولا الأولاد يرعون حقوق الآباء والأمهات، ولا الأخ يرعى حق أخيه، ولا القريب يرعى حق قريبه، ولا الجار يرعى حق جاره، ولا الإنسان يرعى حق الإنسان باعتباره أخاً له في هذه الإنسانية، كل ذلك إنما يعود إلى فقدان هذه القيم الأخلاقية التي تشد الناس بعضهم إلى بعض. والإسلام جاء بهذه القيم، بل الإسلام اهتم بالقيم ـ سواء القيم الدينية أو القيم الأخلاقية ـ أكثر مما اهتم بالعلم، على الرغم من أن الإسلام هو الرائد في العلوم جميعاً، في العلوم الدينية والدنيوية جميعاً، لأنه يدعو الناس إلى النظر في كل ما حولهم، وإلى الاستزادة من كل علم، وكان من أمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ما جاء في قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]، والله سبحانه وتعالى بيّن في كتابه أن العلم سبب لتمكين الإنسان في هذه الأرض واستخلافه فيها. ولكن مع ذلك نجد أن الإسلام الحنيف ركّز على التزكية بجانب التركيز على العلم، بل قدّم التزكية على العلم، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: 2]، وقال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 151–152]. التزكية تجدها في هذه الآيات مقدَّمة على العلم، والتزكية إنما تكون بغرس الأخلاق الفاضلة، وبغرس القيم الرفيعة، وبغرس مخافة الله سبحانه وتعالى في هذه النفوس، ورجاء الله تعالى، وغرس التوكل على الله، هذه هي التزكية بمفهومها الواسع؛ التزكية بطبيعة الحال تشمل علاقة الإنسان بربه فيما يتعلق بالعبادات التي كل عبادة من العبادات تزكية لهذه النفس البشرية، كما أنها تشمل أيضاً حسن العلاقة ما بين الناس، العلاقة ما بين الأصول والفروع مما يدخل في التزكية. ولذلك نجد نحن في كتاب الله سبحانه وتعالى التركيز على هذا الجانب، بل نجد أن الله تعالى يقرن طاعة الوالدين وبرّهما بعبادته التي هي أهم الأشياء؛ فالله تعالى يقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23–24]. كذلك يقول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ۖ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]، وهذا لا يُبحث في الوالدين المؤمنين فقط، حتى ولو كانا كافرين، لهما حق الأبوة وحق الأمومة، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]. ويقول الله سبحانه وتعالى أيضاً ما يفيد تضحيات الوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15]، هذا كله يعني غرس مراعاة حق الوالدين في نفوس الأولاد. ثم كذلك إذا جئنا إلى العلاقات ما بين الأقربين، الله سبحانه وتعالى اهتم بحق القَرابات، فقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22–23]، والأيات في هذا كثيرة، كذلك بالنسبة إلى مراعاة الفقراء والبؤساء والمساكين، ومراعاة الضعفاء، ومراعاة المحتاجين، وبذل المال لهؤلاء جميعاً، وهذا كله مما يعد من قيم الإسلام. ومن المحافظة على هذه القيم: المحافظة على قيم الإسلام، هذا أمر يجب أن تتوافر الجهود على غرسه في نفوس الجميع؛ أن تتوافر جهود الجميع: جهود المؤسسات الرسمية كوزارات التربية والإعلام والأوقاف، وجميع الوزارات التي تُعنى بجانب غرس مفاهيم معينة، عليها أن تحرص على غرس هذه القيم. وكذلك بالنسبة إلى جميع الناس، عليهم أن يحافظوا على غرس هذه القيم؛ البيت يجب أن يكون حريصاً على غرس هذه القيم في الناشئة، وذلك أن تتوافر أولاً جهود الوالدين على غرس هذه القيم في الناشئة حتى تنشأ الناشئة على القيم الرفيعة، على قيم الإيمان وقيم الأخلاق، وتوقير الكبير، والرحمة بالصغير، والحرص على الخير، والحرص على البر والمرحمة. وكذلك بالنسبة إلى المجتمع بأسره، يجب أن يكون الشارع مشاركاً في ذلك، يجب أن يكون أيضاً للمسجد مشاركة في ذلك، يجب أن تكون المجالس التي يجتمع فيها الناس مشاركة في هذا الأمر، كلٌّ يتحمل مسؤوليته في هذا الأمر بحيث يشترك الناس جميعاً في غرس هذه القيم. هذا الموضوع بنفسه يحتاج ـ في الحقيقة ـ إلى حلقات.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٥‏/٦‏/٢٠١١👁 3 مشاهدة
🎬

فتاوى متنوعة للشيخ/ أحمد الخليلي - ليلة 4 رجب 1432هـ

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

دور المؤسسات في غرس الأخلاق

2 👁

فيما يتعلق بالأخلاق التي ذكرتموها في القيادة، ما الذي تنصحون به مؤسسات الدولة حتى تؤدي واجبها في توصيل رسالة الأخلاق وتربية الأجيال عليها؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٠‏/٨‏/٢٠١١

موقف المجتمع من الإعلام

2 👁

عندما تعرض المؤسسات الإعلامية مفاتنها للشباب وتتغذى من إقبال المجتمع عليها، فهل يطالب المجتمع فقط بتربية أبنائه والصبر عليهم أم عليه أن يتقدم لتبصير هذه المؤسسات بمنهجها وخطها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١١‏/٧‏/٢٠١٣

حرية الإعلام ودور الدولة

4 👁

في ثنائية الإعلام والدولة، ما المطلوب لكي يتحقق لكل منهما دور في تمتين علاقة الناس بعضهم ببعض، وخاصة مع الدعوات إلى حرية الإعلام وعدم ارتباطه برقابة الدولة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٤‏/٧‏/٢٠١٤

دور المؤسسات التعليمية والإعلام

3 👁

ما دور المؤسسات الثقافية والتعليمية وغيرها في الحد من السرعة والحوادث المرورية؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

دور المؤسسات في الحماية

2 👁

ما دور المؤسسات التربوية والصحية والتقنية والإعلامية في حماية الأبناء من مخاطر متابعة المواقع الإباحية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

مقاصد الإعلام في القرآن

2 👁

هل حدد القرآن الكريم للإعلام مقاصد تضبط طريقة التعامل به؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠