⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فالأخلاق هي جمع خُلُق، والخُلُق في الأصل هو الطبع، ويكون هذا الطبع مستحسناً ويكون مستهجناً بحسب ما هو عليه.
وكلمة خُلُق هي مأخوذة من الخَلْق؛ لأن الطباع مخلوقة، وكلمة طبع نفسها تدل على أن هذه فِطَر، لأن الطبع مأخوذ من طبع يطبع طَبْعاً، والطبائع إنما هي فِطَر تُطبع بها النفوس.
فالأخلاق إذاً هي حُلًى تتحلّى بها النفوس، سواء كانت مستهجَنة أو كانت مستحسَنة، والمعايير التي تُضبط بها الأخلاق ويُفرَّق بها بين صحيحها وزائِفِها أو بين مستحسنها ومستهجَنها إنما هي المعايير التي تتواءم مع الفطرة، وليس هنالك من دلالة تدل على الفطرة السليمة كدلالة النصوص الشرعية التي جاءت منسجمة تمام الانسجام مع الفطرة؛ فإن دين الله تبارك وتعالى إنما هو دين الفطرة، إذ الله سبحانه الذي خلق الإنسان، وعلم مداخله ومخارجه، وعلم ظواهره وبواطنه، وعلم كل ما تنطوي عليه فطرته، وعلم كل ما تشتمل عليه طبيعته، وعلم كل ما تشتمل عليه طبيعة هذا الوجود بحيث يكون الانسجام بين هذا الوجود وبين الإنسان أو التنافر ما بينهما.
فلذلك شرع من الآداب ومن القيم ومن الشرائع ما ينسجم تمام الانسجام مع الفطرة السويّة التي فطر الله سبحانه وتعالى البشر عليها، وذلك كلّه يقوم على التصور الصحيح، على عقيدة الحق، على خضوع هذا الإنسان خضوعاً مطلقاً لله تعالى رب السماوات والأرض، الذي له الملك وله الحمد، الذي له الخلق والأمر، يصرف كلَّ شيء بقهره، ويدبّر كلَّ أمر بحكمته.
فالإنسان إذاً عليه أن يكون طائعاً خاضعاً لجلال الله، يدرك تمام الإدراك أن طاعته لربه سبحانه وتعالى هي التي تجعله يسعد في حياته ومماته وفي دنياه وأخراه، وأن شذوذه عن هذه الطاعة ونفوره منها يؤدي به إلى التصادم مع سنن هذا الكون ومع نواميس هذه الفطرة، ويؤدي أيضاً إلى أن يخسر في الدار الآخرة التي إليها مَرَدُّه.
ولا يصلح الإنسانَ إلا ربُّ الإنسان، ربُّ الإنسان هو الذي أنزل ما أنزل من الشرائع ومن التعاليم ومن الهداية ومن الرشد لأجل أن يسعد هذا الإنسان بالخير في دنياه وفي عقباه، فجدير بهذا الإنسان ألا يستلهم الخير إلا من الله، وألا يستلهم أيضاً الحقائق إلا مما جاء من عند الله سبحانه وتعالى، بحيث يطَّلع من خلال ما أنزل الله سبحانه وتعالى على عالم الغيب؛ لأن نافذة الاطلاع على عالم الغيب لا تكون إلا بوحيٍ من الله سبحانه وتعالى، ومن خلال ذلك يستطيع أن يضبط تصرفاته وأعماله، وأن يسوس أخلاقه، وأن ينسجم تمام الانسجام مع نواميس هذا الكون وسنن هذه الفطرة، وأن ينسجم تمام الانسجام مع حركة هذا الوجود بأسره؛ لأن الوجود كما علمنا من القرآن الكريم يسبح بحمد الله ويسجد لجلال الله، فما على الإنسان إلا أن يكون عبداً مطيعاً لله سبحانه لتتواءم حركته مع حركة الوجود حتى لا يكون بينه خلاف وشقاق.
وكذلك أيضاً بهذا تنسجم حركة الإنسان الفطرية الاضطرارية مع حركته الكَسْبية الاختيارية؛ فإن الإنسان إن شذَّ عن منهج الحق حصل النشاز والاضطراب في نفسه؛ إذ حركة الإنسان الفطرية الاضطرارية لها سنن معينة ولها طبيعة معينة لا يمكن أن تخرج عنها، بينما حركته الكَسْبية الاختيارية قد يشذ فيها الإنسان عن المنهج السوي، فإذا أراد الانسجام مع طبيعة الحركة الفطرية الاضطرارية فعليه أن يضبط حركته الكَسْبية الاختيارية لتكون وفق أمر الله سبحانه وتعالى غير خارجة في شيء عن منهج الحق.