⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا ريب أن هؤلاء بين فريقين: فريق أدرك الحقيقة وعبر عنها، وإن لم يكن وصل إلى الإذعان التام والانقياد المطلق والإيمان برسالة الله تعالى الخاتمة التي بعث بها عبده ورسوله محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، وهناك فريق آخر صار على بصره غشاوة، خُتم على قلبه، فلذلك لم يصل إلى هذه الحقائق.
فالْعِلْمُ مهما كان إنما هو في الحقيقة جسم وروح؛ مثله كمثل الأمور المادية؛ فهو جسم من حيث النظر إلى هذا المظهر الظاهر من العلم، وهو الروح من حيث الإفضاء إلى الاطلاع على أسرار الله تعالى في خلقه، والإيمان المطلق بالله سبحانه وتعالى وبصفاته وبرسالاته وبكتبه، وبملائكته، وبالغيب بأسره؛ فإن ذلك إنما هو منة الله تبارك وتعالى يختص بها عباده الذين يختارهم.
ولا ريب أن الذين وصلوا إلى إدراك الحقائق سجلت أقلامهم هذا الأمر؛ فقبل أكثر من نصف قرن من الزمن طُرح سؤال في بعض الصحف الأمريكية: هل تعتقد أن لهذا الكون إلهًا؟ هذا السؤال أجاب عليه ثلاثون عالمًا، متخصصون في مجالات متعددة، علوم مختلفة، وكان كل منهم بحث من خلال العلم الذي توصّل إليه والذي هو متخصص فيه ومعتنٍ به، فاتّفقت إجاباتهم جميعًا بأنه لا بد للكون من إله، وأن الله تبارك وتعالى الذي خلق هذا الكون هو لطيف خبير سميع بصير متصف بكل الكمالات، وقد جُمعت إجاباتهم جميعًا في كتاب بعنوان: "الله يتجلّى في أصل العلم".
وتوالت الدراسات في ذلك، وجاء عقب هؤلاء كما ذكرت من قبل الدكتور موريس بوكاي الذي وضع النقاط على الحروف، وقد وُفِّق لاعتناق دين الله تعالى الإسلامي واتّباعه، بعنوان: "الْعِلْم في التوراة والإنجيل والقرآن"، توصّل من خلاله إلى القطع بأن الكتاب الوحيد الذي بقي كما أنزله الله لم تمسّه يد التحريف والتبديل هو القرآن الكريم؛ لاحتوائه على آيات الله تعالى في الأنفس وفي الآفاق التي تجلت فدلت على صدق هذا الكتاب العزيز، كما وعد الله بذلك في قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53] ...
على أن هذا الرجل أسلم بعدما سجل قلمه هذه الحقائق، فقد ألّف أول هذا الكتاب قبل إسلامه، ثم ألّف كتابه الآخر "الإنسان في القرآن" أيضًا قبل إسلامه، ثم أسلم بعد ذلك، في هذا ما يدل على أن آيات الله سبحانه تتراءى للناس الذين ينظرون إليها، وعندما يحاولون المطابقة والنظر ما بين آيات الله تعالى الصامتة في الأنفس وفي الآفاق وما بين آيات الله الناطقة في كتابه العزيز يتبين لهم التطابق الدقيق بين ما في القرآن الكريم وما بين هذه الآيات الصامتة الهادية إلى الله، الداعية إليه، المرشدة إلى اتباع سبيله.