⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
وقد اعتدت أن أنبه على بعض الروايات عندما أتكلم على رواية ضعيفة أو باطلة، وطبعا ذلك في الغالب، ولا بأس من أن أنبه على بعض الروايات، وإن كانت وستكون قليلة في هذه الليلة بمشيئة الله تبارك وتعالى.
من ذلك حديث الرجل طويل اللحية الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث قال فيه الإمام أحمد – فيما معناه –: هذا حديث باطل، لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أبو داود في «المراسيل» من طريق مجاهد، وذلك لا يمكن الاعتماد عليه، وفيه علة أخرى، وهي أنه من طريق مروان بن معاوية، وهو مدلس، ولم يصرح بالسماع أو ما يقتضي ذلك، فهي علة أخرى، وإن كان لم يتنبه لها شعيب في تحقيقه لـ«المراسيل». ولهذه الرواية طريق أخرى، ولكنها ليست مما يُفرَح به؛ لأنها من طريق عبد الملك بن الحسين أبي مالك النخعي، ويقال ابن الحسين، وهذا الراوي ليس ممن يُفرَح برواياته ولا كرامة، فهو واهٍ بمرّة؛ قال عنه ابن معين: ليس بشيء، هكذا جاء في رواية الدوري، وفي رواية ابن محرز، وفي رواية ابن مريم، وفي رواية ابن أبي خيثمة، ولكنه جاء في رواية الدارمي عنه بأنه قال: ثقة، وهذه الرواية لم يذكرها العلماء عنه، والظاهر أنها ليست بثابتة، لعله زادها بعضهم، أو أنها بلفظ: ليس بثقة؛ لأن ابن معين قد روى عنه أصحابه – على ما قدمنا – ما أنه قال عنه: ليس بثقة.
ثم إن كلمة العلماء قد اتفقت على عدم توثيقه، اتفقوا على أنه مجروح، مطرح الرواية؛ فقد قال عنه النسائي: ليس بثقة، وقال مرة: متروك الحديث. وهكذا قال الأزدي، وقال أبو زرعة وأبو داود وأبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال البخاري – نعم، وضعَّفه طائفة أخرى كالبخاري والحاكم أبي أحمد وابن حبان والدارقطني وعمرو بن علي – قال عنه: ضعيف منكر الحديث. فعلى كل حال هذا الراوي لا يمكن أن يُحتج بروايته ولا كرامة.
والعادة ألا أذكر ما قيل في الرواة طلبا للاختصار، ولكن هذا ذكرتُه ردا على بعض الناس الذين يحتجون بمثل هذه الرواية في الرد، مع أنها مخالِفة تمام المخالفة للأحاديث الصحيحة الثابتة ثبوتا أوضح من شمس الظهيرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالعجب كل العجب ممن يدعي بأنه من أهل العلم، ويحتج بمثل هذه الروايات الباطلة الفاسدة، مع أنها معارضة للأحاديث التي جاءت من طريق الجبال الرواسي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ومن الروايات الباطلة التي تُروى على النبي صلى الله عليه وسلم الحديث الذي ذُكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم قصة «خرافة»، هذا الحديث هو ينبغي أن يسمى خرافة، لا أن يقال بأن جاءت الرواية فيه كذلك، هو حديث باطل لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك: أن رجلا أخذته الجن، وبقي معهم مدة طويلة من الزمن، ثم إنهم أطلقوه فرجع، فكان يحدث الناس بالعجائب، هذه الرواية باطلة لا تصح عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ومن ذلك: حديث المعدة، وهو ليس بحديث، ولكن على حسب ما ذكره بعض الناس: «المعدة بيت الداء»، هذا ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يأت من طريق صحيحة ولا حسنة، ولا ضعيفة خفيفة الضعف، بل ولا ضعيفة ولا موضوعة، وإنما هو من كلام بعض الأطباء، قد يكون معنى هذا الكلام صحيحا، ولكن كما قلنا أكثر من مرة بأن ذلك لا يعني بأنه ثابت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد يكون الأمر حقا في نفسه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصرح بذلك.
مثل ما ذكرنا أكثر من مرة حديث «صوموا تصحوا»، وقلنا بأنه يحتاج إلى شيء من النظر؛ لأنه لم يأت من طريق صحيحة متصلة، وإنما جاء من طريق منقطعة أو معضلة، وجاء من طريق ضعيفة، ومن أخرى موضوعة. هذا الحديث قد يقول شخص بأنه صحيح لأنه – أي: لأن فيه «صوموا تصحوا» – والأطباء قد ذكروا ما يقتضي ذلك، وقد يقول شخص آخر بأنه ضعيف باطل؛ لأن بعض الأمراض يضر بها الصوم، فمن هنا ينهى الأطباء بعض الناس عن الصيام، والفقهاء قالوا بأنه إذا قرر الأطباء الذين يوثق بهم بأن الصيام مضر للشخص الفلاني بأنه لا يصوم، بل قد لا يجوز له الصيام في بعض الحالات، بل جاءت الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة على أن المريض يفطر ويقضي.
فهل يمكن – فقد يقول قائل: هل يمكن أن يكون هذا صحيحا، والمرض يضر ببعض الأبناء، أو الصيام فيه ضرر على بعض الناس؟ على كل حال كما قلت: الحديث من حيث إسناده فيه ما فيه، ولكنني أريد أن أنبه إلى أنه لا يمكن أن يُحتج بهذا أو بذاك؛ لأن الحديث – على تقدير ثبوته مثلا – ممكن أن يقال بأنه عام مخصوص، أو أنه عام أريد به الخصوص.
بل هنالك بعض الأمور الثابتة بأدلة كالجبال الرواسي، ولكنها قد تتخلف، قد يتخلف ما قيل، ما ذكرت أو ما دلت عليه لأمر خارج. بل الدعاء مثلا، الأدلة دلت بكل دلالة، دلت دلالة صريحة بأنه يُجاب، لكنه قد يتخلف في بعض الأمور، إما لأمر يرجع إلى الداعي أو المدعو به، إلى غير ذلك.
وهذا العسل هو شفاء بالنصوص الصريحة الثابتة الواضحة، لكنه قد يضر ببعض الناس، بل قد يضر بكل الناس يتعاطاه الإنسان بكمية كبيرة جدا، وهو مضر ببعض الأمراض، والله المستعان.
أكتفي الآن بهذه المجموعة، أحاديث أخرى وروايات متعددة موقوفة ومقطوعة إلى غير ذلك تحتاج إلى تنبيه.
والله تبارك وتعالى أعلم.