⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الذي حصل في الوقت الذي ضعفت فيه هذه الأمة، وتكالبت عليها الأمم عبر عقود من الزمن، أن حُقِّر شأن الدين، وزُهِّد في العلوم الدينية، فَأمْسَى لا يدخل كليات الشريعة والمعاهد الدينية إلا من نجح أدنى نجاح، في الوقت الذي بالغ فيه الناس في تعظيم العلوم الدنيوية –نعم– وبلغوا حدَّ التقديس لها؛ فنظروا إليها نظرة تعظيم وتقديس، وبُخِسَت لها أموال، وبُذِلت لها طاقات وجهود، ودُفع إليها خيرة الطلاب.
وهذا خلل كبير –نعم– ولا يزال هذا الخلل ساريا، اتخذ أنماطا، اتخذ أشكالا؛ على سبيل المثال: إبَّان المد الماركسي كان هذا التوجه واضحا؛ فهناك تزهيد وتضييق، بل ومصادرة لكل العلوم الدينية –نعم– وتعظيم لما سواها، لما سوى العلوم الدينية.
ما لم ينتبه الناس إليه أنه –فيما يُعرف بفترة ما بعد الحداثة– ظل هذا الوضع؛ لأن فترة ما بعد الحداثة ما هي في حقيقتها وجوهرها إلا نسخة معدَّلة من التوجه الماركسي –نعم– لكن بمصطلحات الاضطهاد والاستبداد، والمدنية، والعمران، والإنسانية، وهي شعارات برَّاقة جذَّابة، لكنها تحمل في كثير من الأحيان –شعر الناس بذلك أو لم يشعروا– سما زُعافا –نعم.
فالمفارقة حصلت من هذين الأمرين: من التزهيد في العلوم الدينية، وما تبع هذا التزهيد من تحقير لها، ولأهلها، ولشُرَطها، ولشروط الدخول إليها لدراستها وتعلُّمها، ولنوع مرافقها، وكل ما يتبع هذا الجانب؛ في مقابل تعظيم العلوم الدنيوية دون تأسيس.
هنا ظهر التقليد في الحقيقة –نعم– فصارت هذه العلوم الدنيوية مجرَّدة من روحها، مجرَّدة من الالتفات إلى الصانع، والغاية، والأخلاق؛ حتى حينما ندرس الأخلاق الآن أصبحنا ندرسها بنتائج غيرنا –نعم– فهذا خلل كبير، ولا بد له أن يُصحَّح.
ولعلي أذكر تحديدا جملة من القضايا –نعم– سنجد –على سبيل المثال– في العلوم الدينية أن طرحا ليس بقليل يريد أن يُفرِغَها من جوهرها الديني؛ فيلتفت فقط إلى ما يتعلَّق –على سبيل المثال– بعمارة الأرض –نعم– إلى ما يركِّز على الجانب الحضاري المدني، وفيما يتعلَّق بالعلاقات الإنسانية، على هذا الجانب الإنساني الفضفاض –نعم– في مقابل تعظيم ما تُفرِزُه العلوم الدنيوية المعاصرة من اكتشافات واختراعات، ووجوه لحياة هذا الإنسان، وكأنها بِدَع لم تكن في وقت من الأوقات –نعم.
فهذا التوجُّه تجد أنه فيما يتعلَّق بالنظرة إلى العلوم الدينية –كما تقدَّم– مع التزهيد فيها، ومع اجتزاء ما يتعلَّق ببعض الوجوه الإنسانية، وإضفاء صورة فضفاضة –لا مبالغة إذا قلتُ بأنها مائعة– غير صحيحة، غير صحيحة عليها؛ ولأجل تخليص جوهرها منها، لأجل بَتِّها عن جوهرها الديني الصحيح، إذا بك تجد أن هناك انتقادا حادًّا على هذا الجوهر؛ حتى من حيث الوصف يُقال لك: الموروث –نعم– أو التراث، ويدخلون فيه حتى النصوص من الكتاب والسنة، ولاجل الخلاص يُقال لك: نصوص مقدسة –نعم– وكأن التقديس وسمٌ عار في هذه الحالة، حتى يُنفَّر منها الناس، أو هو إنتاج بشري خالص، أو أنه إنتاج بشري خالص –نعم– فإن لم يُصرَّح بهذا التصريح تجد أنهم يذكرون ما يُسمَّى بالنسبية، نسبية الأمور –نعم– فتتحول الحقائق والأحكام إلى أمور نسبية، وإذا بهذه النسبية تفضي إلى ما يُعرف بالعدمية –نعم.
فليست المسألة مسألة صدفة، ولا هي بمسألة عفوية، وإنما هو تخطيط وجهد –نعم– هناك أذناب في واقع المسلمين ينعقون مع الناعقين، ويجرون وراء أسيادهم، ويظنون أن في ذلك إظهارا لثقافة، ولفكر، ولمعرفة تصلح لهذا العصر، وما دروا أنهم ينسلخون من هويتهم، وأن صنيعهم ذلك لا يضر الدين، ولا العلوم الدينية، ولا أهل العلوم الدينية في شيء –نعم– لأن الواقع أن إقبال الناس –وهذا يُرصَد بحركة النشر والطباعة والقراءة والتصنيف والموضوعات التي تُبحث فيها العلوم الدينية– نعم، هناك وجوه تقصير، وتحدثنا عنها فيما مضى، لكنها مقارنة بغيرها من العلوم الدنيوية…
ولا يراد هنا –أيضا حتى لا يفهم أحد– التزهيد في العلوم الدنيوية؛ تقدَّم أن طائفة منها تتحدث عنها باعتبارها من فروض الكفاية بتعريفها الأصولي المعروف: مهم حتمي يُراد حصوله بقطع النظر عن فاعليه؛ فهم –حينما يعني الإمام الشافعي على سبيل المثال– فلما ضرب مثالا ضرب مثالا بعلوم الطب، أضاف في ذلك الوقت، قال: إلا أن أهل الكتاب سبقونا إليه –نعم– في ذلك الوقت؛ يستشعر ما عليه حال المسلمين، إلى أن تمكن المسلمون من الريادة العلمية –كما تفضَّلتم– بفضل الله تبارك وتعالى، ثم بصنيع طائفة من العلماء المجتهدين المخلصين؛ لأن التوجُّه كان صحيحا –نعم– بتشجيع البحث العلمي، وبتهيئة المرافق، وبحركة الطباعة والترجمة والنشر، وبتهيئة الدواوين، وبالتشجيع على التعلُّم والتعليم في مختلف المرافق، فأبدعوا؛ لذلك تجد أن ما يقرب من ألف عام كانت الريادة العلمية في مختلف الميادين: في الطب، وفي الفلك، وفي الرياضيات، وفي البصريات، وفي غيرها، كانت الريادة للمسلمين.
هذا التاريخ كثير من أبناء المسلمين اليوم يجهلونه؛ لا يلتفتون إلا إلى ما أصاب المسلمين من ضعف بعد سقوط الدولة العثمانية، وتكالب الأمم عليها، واقتطاع أراضيها، والجثوم على صدور أبنائها هذين القرنين الأخيرين، فَفُتِنوا عن تاريخهم، وعن ما يمكن أن يُورِّثَهم شيئا من العزَّة والإباء والاعتزاز بهويَّتهم وتاريخهم.
فأخطر ما في المسألة هنا هو أن يفقدوا ثقتهم في دينهم، وفي علوم دينهم، وفي ذات الوقت أن يُحلُّوا العلوم الدنيوية في غير محلها –نعم– هذا لا يعني –مرَّة أخرى للتأكيد– التقليل من أهمية العلوم الدنيوية، أو التحقير من شأنها، أو ما تحتاج إليه؛ بل لا بد من أن تتجه الجهود إليها، وأن تُوضَع في محلها، وأن تُبذل فيها الأموال، ولكن على أن لا تكون منبتَّة –نعم– فضلا من أن تكون معارضة للعلوم الدينية –نعم– فهما جناحان لحركة هذا الإنسان في هذه الحياة.
والله تعالى أعلم.