مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

حقيقة الترف والإسراف

ما حقيقة مصطلحات الترف والإسراف والتبذير كما وردت في القرآن، وما الفروق بينها؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن مصطلحات الترف بمشتقاتِه، والإسراف والتبذير ترد في كتاب الله عز وجل في سياقات شتى، وحينما نتأمل هذه السياقات التي وردت فيها هذه المصطلحات فإننا نجد أنها وردت في سياق تحذير هذه الأمة من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم السابقة التي أفضى حالها إلى فساد ثم إلى زوال، لأن الله تبارك وتعالى أراد لهذه الأمة بما أكرمها به من رسالة وحضارة وخير وهدى ورشاد أن يبقى أثرها، وأن تمتد رسالتها، وأن تكون باعثة للمعاني الإنسانية في هذه الأرض إلى أن يأذن الله تبارك وتعالى بزوالها ومن فيها. ومن أجل ذلك فقد قصَّ الله تبارك وتعالى لهذه الأمة في كتابه الكريم الدروس والعِبَر التي تمكنها من مواصلة المسير، وبناء هذه الحياة، وتجنب المزالق التي وقعت فيها الأمم السابقة، وأخطر هذه المزالق هي ما أشرتم إليه أو ما ذكرتموه تحديدًا: الترف، والإسراف، والتبذير. ومع أن الترف من حيث حقيقته اللغوية إنما يُراد به النعمة، لأن الترفة يُراد بها النعمة، ويُراد بها العيش الرغيد، هذا من حيث الاستخدام اللغوي، لكن الاستخدام القرآني أو الحقيقة القرآنية للترف قرنت بين هذا المعنى اللغوي وبين حالات تكون فيها حالة النعمة والترف التي يحياها هذا الإنسان مصحوبة بجحود حقوق المنعِم على هذا الإنسان، وبالفساد والسَّفَه والبطر والطغيان، وعلى هذا يأتي مصطلح الترف في القرآن الكريم؛ فإنه دائمًا ما يأتي مقرونًا بهذه الأحوال من كفران نعمة الله تعالى على العباد، ومن الإعراض عن حقوقه، ثم بالمبالغة في الانغماس فيما أوتوا من ترف هذه الحياة الدنيا، والاستغناء بمظاهرها، والاكتفاء والوقوف بها عن حقوق الله تعالى، وعن الواجبات، وعن الحياة الآخرة، حتى يصل الحال إلى البطر والفساد، والإسراف والتبذير، والتمرُّغ في أوحال الرذيلة والسفه. هذه هي المعاني التي يأتي عليها الترف في كتاب الله عز وجل، ولذلك استحق المترفون العذاب الأليم في الآخرة، فالله تبارك وتعالى حينما يذكر لنا الترف، سواء كان ذلك مما هو حاصل في الأمم قبلنا أو مما عوتب به عندما أُهلكوا، فإنه يذكر الترف في هذه المعاني والدلالات. من ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16]، وقال: ﴿ارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ [الأنبياء: 13]، للقوم الذين أهلكهم ودمرهم جل وعلا بسبب إعراضهم، وبسبب غفلتهم، وعدم أدائهم لحقوق عبادِ الله عز وجل. ونجد أيضًا أنه وصف صنفًا من أهل الجحيم – والعياذ بالله – وهم أصحاب الشمال، بأنه قال عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: 45]، فهذه هي المعاني التي يأتي عليها الترف؛ فهي خصلة ذميمة ذمَّها القرآن الكريم، ووردت في سياق الحديث عن أمم وأفراد استبدَّت بهم نفوسهم وهوى نفوسهم، ولم يؤدوا حقوق المنعِم جل وعلا، وانغمسوا في الشهوات والأهواء حتى وصلوا إلى حد البطر وغمط حقوق الناس والكبر والفساد والسفه فيما يأتون وما يذرون من أمور حياتهم. وأما الإسراف فهو أيضًا يأتي في كتاب الله عز وجل في مناسبات عديدة، مع أن الأصل في الإسراف أنه مجاوزة الحد في الإنفاق، فهو مجاوزة الحد في الإنفاق إلى ما لا ينبغي من حدود الإنفاق، بينما التبذير هو وضع المال أو صرف المال فيما لا ينبغي أصلًا. فالإنفاق في أصله مشروع، إلا أن المنفِق يجاوز الحدود المشروعة، ولذلك يُعد من المسرفين، ويكون ذلك في المال، ويكون في الجهد، وفي الوقت، وفي الفكر كما نجده في كتاب الله عز وجل، فلا يقتصر – وهذا معنى آخر، فارق آخر بين الإسراف والتبذير – فالتبذير هو إنفاق المال أو صرف المال فيما لا يصح أصلًا، فيما لا ينبغي أساسًا، بينما الإسراف هو مجاوزة الحد. ولذلك نجد أن التبذير غالبًا ما يكون في المال، وهو أسوأ؛ لأنه من أصله لا يصح شرعًا، ولذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 26-27]. أما الإسراف فإنه ورد في مناسبات عديدة، منها: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: 141]، وقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]، وقال أيضًا في وصف قوم لوط وما يأتون: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: 81]، ووصف الله تبارك وتعالى فرعون بسبب طغيانه ومجاوزته للحدود بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: 31]. فالإسراف لا يقتصر على بذل المال أو إنفاق المال، وإنما له وجوه شتى وردت في كتاب الله عز وجل، وكلها مذمومة، وعاقبتها وخيمة على مستوى الفرد، وعلى مستوى المجتمع، وعلى مستوى الأمم والحضارات بأسرها. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠👁 2 مشاهدة
🎬

سؤال أهل الذكر | الترف والتلف .. إعذار وإنذار | الاحد 13 ديسمبر 2015 م

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

حقيقة الترف والإسراف

2 👁

ما حقيقة مصطلحات الترف والإسراف والتبذير كما وردت في القرآن، وما الفروق بينها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٤‏/١٢‏/٢٠١٥

تعريف الترف ومظاهره

2 👁

ما هي حدود الترف وما أبرز مظاهر الترف في عصرنا الحديث؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٨‏/١‏/٢٠١٨

تعريف الترف ومظاهره

2 👁

ما هي حدود الترف وما هي أبرز مظاهر الترف في عصرنا الحديث؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

الفرق بين الإسلام والشريعة

4 👁

ما حقيقة التفريق بين الإسلام والشريعة الذي يتداوله بعض السياسيين والشرعيين في الإعلام، وهل الإسلام شيء والشريعة شيء آخر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٨‏/٥‏/٢٠١٤

حد الصدقة والتبذير

2 👁

هل للصدقة حد إذا تجاوزه الإنسان عُدّ تبذيرًا؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٠‏/٤‏/٢٠١٥

التسبيح والاستغفار في القرآن

2 👁

هل ورد في القرآن الحث على التسبيح أكثر من الاستغفار والتكبير والتحميد؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٦‏/١٢‏/٢٠٢١