مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

إظهار النعمة وحد الترف

مع أن الشرع يحث على إظهار النعمة، فمتى يتحول استعمال النعم إلى ترف مذموم؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا المعنى الذي تشيرون إليه أيضًا موجود في كتاب الله عز وجل، فالله تعالى يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]، ورسولُنا صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»، وكذلك نجد أيضًا مثل هذا المعنى في كتاب الله عز وجل في قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]. لكننا لا نتحدث – إذا أردنا أن نلامس الواقع – لا نتحدث عن صور يختلف فيها العلماء أو يختلف فيها العقلاء: هل هي من أصناف الترف والتبذير والإسراف أو ليست كذلك، لقد جاوز أفراد هذه الأمة اليوم – للأسف الشديد – حدود هذه الخلافات، وحدود هذه الفُرَعيات التي يمكن أن تختلف فيها وجهات النظر، وتتعدَّد فيها الآراء، لقد جاوزوا ذلك بمراحل بعيدة، وهذا مما يلزم العقلاء والغيورين والمصلحين أن يقفوا وقفة حازمة، وأن ينبهوا إلى هذه المواضع. وسأذكر بعض هذه الصور التي أنا على يقين أنه لا يمكن أن يختلف فيها الناس في أنها من أسوأ أنواع الترف والتبذير التي أصابت هذه الأمة، وإن لم تتدارك أوضاعها فإن ذلك مؤذن بضعف، وذلة، وهوان، وزوال النِّعم عن هذه الأمة، وقد حذَّرنا الله تبارك وتعالى من ذلك حينما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: 28]. خذ على سبيل المثال: أن ثريًّا من بلاد خليجية يشتري لوحة فنية بـ 179 مليون دولار أمريكي قبل أشهر من الآن، في الوقت الذي كان فيه ألوف المسلمين من بورما – الروهينجا – في البحر، تقطعت بهم السبل، ويموتون بالمئات يوميًّا، لا يجدون مأوى، والبلدان التي كان يمكن أن تُضيفهم كانت بحاجة إلى 10 ملايين دولار فقط، ويشتري هذا الثري لوحة لبيكاسو، وهذه اللوحة في ذاتها فيها من وسم هذه الأمة بالذلة والعار ما فيها؛ لأنها تحكي أو تصور نساء شعب عزيز كريم نبيل في صورة مبتذلة، أنا لا أريد أن أذكر الأسماء، الصورة معروفة مشهورة، رسمها في عام 1955 وهي في فترة الاحتلال الواقع على البلاد الإسلامية، فصور النساء العفيفات الشريفات لهذا الشعب المسلم العزيز الأبي الكريم في صورة مبتذلة، في صورة بائعات هوى، ومع ذلك تُشترى بـ 179 مليون دولار أمريكي، ناهيك عن رسوم التأمين ورسوم الحماية ورسوم الحراسة والضرائب التي تؤخذ على مثل هذه الصفقات. حجم الإنفاق على المدن الترفيهية، مدن الملاهي في بلادنا العربية، يبلغ 32 مليار دولار أمريكي، في الوقت الذي لا يصل فيه الإنفاق على البحث العلمي نصف مليار في أحسن الأحوال، لا يكاد يصل إلى مليار لو أردنا أن نكون متفائلين، بينما مدنًا ترفيهية في بلادنا العربية – اثنان – تبلغ قيمتها أو حجمها 2 مليار دولار أمريكي، هذا لا أريد في إنشائها وإقامتها، واليوم ما كفتهم البلاد العربية، صاروا يقيمونها في غير البلاد العربية، وكأن رسالتهم التي يبعثونها في العالم هي رسالة اللهو والمجون والترف والملاهي. هذه صورتان الآن في واقع حياة الناس تتكرر، أصبحنا أو أمسينا – للأسف الشديد – نسمع عن مسابقات لأجمل – وأعذروني على الوصف – لأجمل جَحْش، نعم، هذا الجحش الذي سيصير أجمل حمار إن قُدِّر له وعاش، ويباع بما يقرب من مليون دولار، ويشتريه أيضًا ثري خليجي، وهذا في بلدان عربية، هذا في بلداننا، ما أغلاه غيرُنا بناء على ثقافتهم وبناء على نظرتهم المالية الرأسمالية، فهو عندنا أشد غلاء وأنفَس، ونتنافس عليه، ولا يعدو أن يكون جحشًا؛ كم يحتاج هذا الجحش من رعاية، ومن طعام، ومن تأمين، ومن نقل، وما نفع هذا الجحش الأغلى من الطائرات! مليون دولار وزيادة. كما قلت: أعذروني على أن أذكر، لكنها وقائع، وتنشر، أصبحت تنشر في وسائل الإعلام، أصبحنا أيضًا نرى مسابقات لأجمل ديك، وأجمل ماعز، وحدِّث عن هذا الباب ولا حرج، ويتبارى الناس، وتُعقد المزادات العلنية لها، ويتنافسون في هذا البذخ، وهذا الترف، وهذا التبذير، دون وازع، ودون ضمير، ودون شعور وإحساس بآلام هذه الأمة وبماسيها، وبما عليه أحوال شبابها، وما عليه أحوال فقرائها. هذه الأموال الطائلة، هذه الملايين والمليارات، كم كان يمكن أن تُنشئ من شركات – يعني لا نقول لهم تبرعوا بها – وإنما أنشئوا بها شركات، ثمِّروا هذه الأموال فيما يعود على المجتمعات بالنفع والفائدة، فيما يشغل الشباب الذي لا عمل له، فيما يعود بالريع على المجتمع في حاضره وفي مستقبله، في المجالات العلمية، في المجالات الثقافية والحضارية والتقنية والصناعية والزراعية. هناك قوة بشرية هائلة في البلاد العربية وفي عموم البلاد الإسلامية، وهناك الكثير من ذوي الكفاءات والقدرات، وهناك موارد طبيعية أيضًا في بلاد المسلمين موارد غنية، لكن بدل كل ذلك اتجهت همَّة هؤلاء السفهاء – وإن كانوا أثرياء، وإن كانوا في مجالاتهم معدودين من العقلاء – إلا أنهم بمثل هذه الأعمال من السفهاء الذين ينبغي أن يُحجَر عليهم. الله سبحانه وتعالى منع في كتابه الكريم إيتاء المال إلى السفهاء، قال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5]، مع أنها أموال السفهاء، إلا أنهم لسَفَهٍ، أو ليُتْمٍ؛ لأنهم لا يزالون قُصَّرًا، فإن الله سبحانه وتعالى أضاف هذه الأموال إلى الأنفس باعتبار أنها مال المجتمع، فحينما يحفظونه ويُحرِزونه، ثم بعد ذلك يدفعونه – إذا ما بلغوا الرشد – إليهم، فإنهم يحفظون مال المجتمع الذي هو قوام هذه الحياة. حينما نجد أن بعض هؤلاء يأتي لضيوفه بأغلى أنواع العطور، من العود الملكي، ومن المسك، ومن الورد، ومختلف أنواع العطور، ليغسل بها أيديهم، ويمنع عنهم الصابون! أفخر أنواع العطور يُغسل بها أيديهم، ويمنعهم، ويبالغ في صب هذا الطِّيب على أيديهم ليغسل به أيديهم! هل هذا من العقل في شيء؟ هل هذا مما يمكن أن يختلف فيه عاقلان في أنه من الترف والتبذير الذي لا بد أن ينتهي إن أرادت هذه الأمة أن تحافظ على نعم الله سبحانه وتعالى عليها؟ هل بهذا يكون شكر هذه النِّعَم؟ الله المستعان. وأين العِبرة من أمم وشعوب شأنها ليس بعيدًا عنا، تاريخها ليس بعيدًا عنا، بلغت أيضًا مثل هذا المبلغ في الترف والتبذير، فإذا بها اليوم في فاقة، وفقر، وعوز، وخوف، ما ارتفعت عنها حالة الخوف والاضطراب والقلاقل منذ أن بلغت في الترف والتبذير تلك المبالغ...
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠👁 2 مشاهدة
🎬

سؤال أهل الذكر | الترف والتلف .. إعذار وإنذار | الاحد 13 ديسمبر 2015 م

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

إظهار النعمة وحد الترف

3 👁

إذا كانت النعمة مأموراً بإظهارها كما في قوله تعالى (وأما بنعمة ربك فحدث) وقول النبي إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، فمتى يتحول استعمال النعم إلى ترف مذموم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٤‏/١٢‏/٢٠١٥

حقيقة الترف والإسراف

2 👁

ما حقيقة مصطلحات الترف والإسراف والتبذير كما وردت في القرآن، وما الفروق بينها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٤‏/١٢‏/٢٠١٥

تعريف الترف ومظاهره

2 👁

ما هي حدود الترف وما أبرز مظاهر الترف في عصرنا الحديث؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٨‏/١‏/٢٠١٨

تعريف الترف ومظاهره

2 👁

ما هي حدود الترف وما هي أبرز مظاهر الترف في عصرنا الحديث؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

عاقبة الترف على الأمة

2 👁

هل سيأتي يوم يندم فيه المترفون، وهل يتضرر المجتمع الذي يقر ترفهم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

مظاهر الترف في الأعراس

3 👁

هل المبالغة في تجهيز الأعراس واستئجار القاعات والفساتين الغالية وارتفاع المهور تعد من الترف؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٧‏/١٢‏/٢٠١٥