⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا من البلاء، والله تبارك وتعالى حذَّرنا من أمثال هؤلاء، وحسنًا فعلتم في السؤال إذ وصفتم بأنهم ممن يحفظون القرآن؛ إذ ليست العبرة بالحفظ إذا لم تستجب النفوس، ولم يُترجَم القرآنُ الكريم خُلُقًا وهدايةً ومسلكًا في هذه الحياة، فإنه لا عِبرة بمقدار ما يحفظ هؤلاء وإن انتسبوا إلى أهل العلم.
وأمثال هذه القضايا التي تمرُّ بها أمتنا علاجُها واضحٌ بيِّنٌ في كتاب الله عز وجل، وهو لا يحتاج أيضًا إلى كثير عناءٍ لاستخلاص ما يدعونا إليه القرآن الكريم لننأى عن أمتنا أسبابَ تفرُّقِها وضعفِها وذُلِّها وهوانِها.
فالله عز وجل يقول في سياق واحد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 102-103]، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103]، ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: 103]، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103]، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105].
فأين هؤلاء من هذه الآيات البينات؟ نعم، وأين هم من قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]؟ ومن قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10]؟ ومن قوله: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11]، ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 11]؟ ومن قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]؟
هذه معانٍ واضحة لا تحتاج إلى علماء متبحرين؛ لأن دلالاتها واضحة، يفهمها كل الناس، وإنما لا بد لهم من أن تستجيب معها نفوسهم، ثم لا بد أن يروا من أنفسهم – أن يرى أهلُ العلم من أنفسهم – دون مُجاملةٍ لأحدٍ ولا تكلُّفٍ أنهم قُدوةٌ صالحة يدعون الناس إلى ما يدعوهم إليه الكتاب العزيز: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: 33-34]، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 35].
فلا يدَّعِيَنَّ أحدٌ أن مشكلات هذه الأمة معقَّدة، وأننا بحاجةٍ إلى حلول صعبة معقَّدة أيضًا؛ لأن الحل واضح، والعلاج بيِّنٌ في كتاب الله عز وجل، وهذه بعض ملامح لأهم ما نحتاج إليه، وشرحها يطول – وأراك تنظر إلى الساعة – لكنها ليست بحاجةٍ إلى شرح؛ لأنها واضحةٌ بيِّنة، تأمر بأسسٍ ومبادئ على المسلمين أن يلتزموا بها، كما تنهاهم عما وقع فيه غيرهم مما أفضى بهم إلى ضعف حالتهم، وإلى إصابتهم بالذلة والهوان، فتَحُدُّهم من أن يقعوا فيما وقع فيه غيرهم.
نعم، ومع ذلك نجد أن الذين يتصدرون إنما يؤثرون – للأسف الشديد – مصالحَ دنيويةً عاجلةً على ما عند الله تبارك وتعالى، فيُثِيرون العداوات، ويُثِيرون هذه العصبيات، ويُفرِّقون هذه الأمة شيَعًا وأحزابًا.
والله تبارك وتعالى أيضًا في نفس هذا السياق يُحذِّر نبيَّه صلى الله عليه وسلم من أمثال هؤلاء، فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159].
نعم، فهذا هو العلاج واضح بيِّن، وعلى هؤلاء أن يتقوا الله تبارك وتعالى في أنفسهم وفي هذه الأمة.
جميل.