⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
كلمة العبادة ممَّا يُرادِفها، أو من مشتقَّاتها، العبودية، وفي اللغة فإن العبادة هي في حقيقتها تعبيرٌ عن الاعتراف بالعبودية لله تبارك وتعالى؛ فالله عز وجل حينما قال في سورة الفاتحة، حينما علَّم عباده أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] و﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فإن هذا الاعتراف الأول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، أي لا نعبد إلا إياك على سبيل الحصر، لا نعبد أحدًا سِواك أنت يا رب، هذا الاعتراف إنما جاء بعد مقدمةٍ في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، فهو لا يُحمَد إلا الله عز وجل، وهذا الإله الموصوف الذي سمَّى نفسه باسمِه "الله" – مما يدل على اتصافه بكل المحاسن، وبالأسماء الحسنى والصفات العُلَى وكل الكمالات – يَعترِف هذا العبد أنه ربُّ العالمين؛ ففي هذه اللحظة التي يَعترِف فيها أن هذا الذي يحمله ويتوجَّه إليه في صلاته هو ربُّ العالمين، فهو يَعترِف أنه ربُّه، إلا أنه – لأن هذا الإله هو ربُّ العالمين – فهو وسائر الخلق سواء؛ فعبوديته لله تبارك وتعالى، الخالقِ المدبِّرِ الرازقِ، الذي بيده ملكوتُ كل شيء، والذي إليه مَرْجِعُ كل حيٍّ؛ ولذلك فإنه إذا ما اعترف صادقًا مخلصًا، حينئذٍ – مع ما تفيض عليه هذه السورة الكريمة من معانٍ – يصل بعد ذلك إلى هذا الاعتراف، هذه الشهادة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
إذًا هو لا بُدَّ – في سبيل تصحيحه لمجرى عبادته لله تبارك وتعالى – أن يستحضر معنى العبودية؛ هذا التذلُّل لله تبارك وتعالى هو تذلُّلُ تعظيمٍ ومحبَّةٍ وخشيةٍ ورغبةٍ ورهبة، كل هذه المعاني لا بد أن تتوارد على قلب هذا المؤمن.
ثم بعد ذلك عليه – مع هذا الاعتراف وهذه المعاني التي تتوارد على قلبه – عليه بعد ذلك أن يترجم كل هذه المعاني في واقع حياته؛ وترجمتها إنما تكون باستقامته، بصلاحه، وبسيره على الصراط المستقيم، واتباعه للحق، ونفيه للباطل، ونبذه لكل أسباب الفساد، وترك بواعث الهوى والشهوات، كل هذه المعاني هي التي تمكِّنه من أن يسير على الصراط المستقيم.
وهو في سبيل ذلك بحاجةٍ إلى أن يحمل نفسه حَمْلًا على التزام هذه العبادات؛ لأنها – مع أنها أوامر طُلِبَت منه – إلا أنها في ذات الوقت مُثبِّتات، تحمله على استشعار عظمة الله تبارك وتعالى واستحقاقِه وحدَه للعبادة، وتمثُّلِ معنى العبودية الحقَّة له جل وعلا، وسيره على طريق التقوى والاستقامة، مع تمثُّله لمعاني الخُلُق الفاضل الكريم الذي يدعو إليه هذا الدين؛ هذه إنما تدفع به إلى أن يتجنَّب الغوايات وأسباب الغَيِّ والفساد، وأن يكون مع السائرين على الصراط المستقيم.