⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
عليها أن تتذكر –في أقل ما يجب عليها– وصيته صلى الله عليه وسلم لأمته في خطبة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم، كحرمة يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا».
لو وقف المسلمون عند هذه الحرمات المعصومة في هذا الدين، لارتفع عنهم الكثير من البلاء والفتن، ولازالت عنهم الكثير من الأحن والعداوات التي مزقت شملهم، وصدعت صفهم، وأضعفت شوكتهم، وأصابتهم بالذلة والهوان؛ لأنهم خاضوا في الدماء والأموال والأعراض دون رقيب ودون اتقاء لله تبارك وتعالى، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيهم –في آخر ما يوصيهم به– بحفظ هذه الحرمات الثلاث.
وأشار أخونا المتصل الأخ سيف إلى حديثين –هو جمع بينهما في رواية واحدة، ولكن الصحيح أنهما حديثان– الحديث الأول: «فوالله، ما الفقرَ أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا كما بُسِطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم». هذا جانب الدنيا، التنافس على هذه الدنيا، المغالبة بالاستئثار، بحيث يفضي إلى الاقتتال، هو الواقع بين المسلمين اليوم، ولذلك قال: «فتهلككم كما أهلكتهم»؛ كما أهلكت من كان قبلكم. هذه سنة ماضية يخبرنا عنها ربنا، يخبرنا عنها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام.
وأما الحديث الآخر، فهو حديث: «يُوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها». قالوا: أمِن قلَّةٍ نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكنكم غثاء». فلما سألوه عن السبب قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». نعود إلى نفس ما قرره أيضاً الحديث السابق، مما يحذرنا منه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: حب الدنيا وكراهية الموت.
فاستكثارنا من هذه الحياة الدنيا، وجَمْعُنا لها، وتنافسُنا فيها، وكراهِيَتُنا للقاء الله تبارك وتعالى والانتقال إلى دار الخلود هي التي أورثتنا هذا التكالبَ والتقاتلَ والتنازعَ والتشرذمَ، مما أضعف شوكتنا وأصابنا بالذلة والهوان –كما هو واضح– فلو أن المسلمين وقفوا عند هذه الوصايا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبدأوا بها حتى يترقَّوْا بعد ذلك في شريعته الحنيفية السمحة، وفي الخلق القويم الذي أرساه وجاء به، ومثله ترجمةً لكتاب الله عز وجل –كما قالت السيدة عائشة: كان خلقه القرآن الكريم– لترقت بين هذه الأمم، ولَسادت، ولَقادت هذه الإنسانية الحائرة التائهة اليوم إلى شاطئ الأمان وبر السلامة، ولأخذت بهذه الحضارة إلى مراقي الكمال الإنساني، وإلى أن يعمَّ هذه الحياة الأمن والاستقرار والسلام، وحسن الصِّلة بين الناس.