مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

علاقة الفقه بالجماهير والسلطة

ما العلاقة بين الفقه وجماهير المسلمين وبين الفقه والسلطات؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن الجواب عن هذا السؤال يعتمد على تبين حقيقة غابت عن كثير من فقهاء الإسلام عن جماهير المسلمين، إذ ليست القضية في علاقة الفقه الإسلامي بالأنظمة القائمة وبذوي القرار والسلطة، أو علاقة الفقه بجماهير المسلمين، نعم، وإنما القضية تكمن في علاقة الفقهاء، نعم، الذين يطوعون الفقه صوب إحدى الجهتين، نعم، فيبتعدون بذلك عن حقيقة الفقه الإسلامي. فلنتبين أولا هذه الحقيقة، ثم لننظر في منزلة الفقهاء بين هاتين الجهتين. الفقه الإسلامي في جوهره ومضمونه يقوم على ثلاثة أركان: على فقه الذات، وفقه الموضوع، وفقه النظام. أما فقه الذات فيراد به ما يتعلق بالمكلَّف نفسه، في توثيق صلته بالله تبارك وتعالى، وفي تزكية هذه النفس، وفي توجيهها نحو المراشد والهدى والحق والنور، وهذا لا شك يبدأ من البناء العقدي الإيماني الراسخ، ثم بتزكية خصال الخير، وتوجيه هذه النفس نحو اتباع الصراط المستقيم، فالفقه الإسلامي يبدأ من مخاطبة النفس، ولذلك قلت بأن هذا الركن يتمثل فيما يُعرَف بفقه الذات. كما أنه يتناول ركنا آخر، وهو فقه الموضوع، أي: حقيقة الموضوع الذي يراد تبيُّن الحكم الشرعي له، فما هو حكمه؟ هل هو واجب، أو مستحب مندوب إليه، نعم، أو أنه من عموم المباحات، أو أنه في دائرة المكروه، أو أنه من المحظور المحرَّم شرعا؟ فهذا يتعلق بالأحكام الشرعية للموضوعات والقضايا والمشكلات والاستفتاءات التي يبحث عنها الناس، أو التي يريد الفقه الإسلامي، وتتشوَّف الشريعة بمقاصدها إلى إيصال الناس إليها. وأما الركن الثالث، نعم، فهو فقه النظام العام، إذ لا يمكن توجيه الذات ولا معالجة الموضوع إلا ببناء نظام مجتمعي ونظام عام يهيئ البيئة المناسبة للالتزام، والتعرُّف على الأحكام الشرعية تعرُّفا صحيحا حقيقيا يفضي بالأفراد إلى اتباع الحق، ويورث المجتمع والبيئة، وبكل ما فيها من عناصر ومكونات، إلى التكامل في سبيل هذا البناء الفقهي. كيف يتم هذا؟ لنأخذ مثالا، نعم، وهو مثال واضح، لكن الفقهاء - للأسف الشديد - لم يبينوه للناس، ولعلهم لم يفعلوا ذلك لظنهم أن جماهير الناس تعي هذه الحقيقة عن الفقه الإسلامي. لما أنزل الله تبارك وتعالى - لنأخذ تحريم الخمر - سنجد في الآيات التي نزلت بتحريم الخمر فقها للذات، يتوجه إلى خطاب المكلَّف لتزكيته بتزكيته وتوجيهه، ونجد تناولا للموضوع نفسه محل بيان الحكم الشرعي، كما نجد نظاما عاما يهيئ البيئة اللازمة للامتثال والالتزام. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90]، ما يتعلق بالخطاب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يتعلق بالنظام العام، لكن ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ هذا هو فقه الموضوع، نعم، ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ هذا هو فقه الذات، نعم. ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: 91]، فهذا يتعلق بالنظام العام، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، مرة أخرى يتعلق بالذات، في تكامل تمتزج أركانه امتزاجا يورث النفس خشية من الله تبارك وتعالى، ويبصِّرها بالحكم الشرعي بأوكد العبارات، ويجعلها في إطارها اللازم للامتثال والالتزام، نعم. لو أخذنا مثالا آخر أيضا من معهود الناس ومألوفهم: ما يتعلق بالحدود والعقوبات في الإسلام، نعم، فإن أحكامها الشرعية بُيِّنَت، وهذا هو ما نعرفه بفقه الموضوع، جيد، وخُطب به المكلَّفون، لكنه أحيط بقدر من الاشتراطات والضوابط الحاكمة للعلاقة بين الذوات والموضوع في نظام عام، بحيث إنه إذا حصل خلل في النظام العام فإن ذلك يؤدي إلى شبهات تُدرأ بها تلك العقوبات والحدود، نعم. وهذا مضطرد حتى لو فحصنا ما يتعلق بإقامة الصلاة، نعم، إيتاء الزكاة، فرضية الصيام، سنجد أن هذه الشعائر التعبدية أيضا يتناولها الخطاب القرآني وخطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا التكامل. لنأخذ في هذا السياق أيضا حتى تتضح الصورة تماما ما يتعلق بجانب المعاملات المالية، نعم، فهناك أوامر مباشرة، حتى في أبسطها، ما معنى: «من غشَّ فليس منَّا»، نعم، فهناك موضوع، وهو الغش، نعم، ينهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخاطبة المكلَّفين مباشرة، نعم، ثم بنفي أن يكون من يقع في هذا المنهي عنه من جماعة المسلمين، وكأنه يُحدِث خللا في النظام العام. وكذا الحال بالنسبة لسائر المعاملات المالية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، فالخطاب لجموع المؤمنين ولأفرادهم بالوفاء بالعقود، هذا الأصل التشريعي المتعلق بالمعاملات المالية، نعم، بَنَى عليه الفقهاء ما نعرفه نحن اليوم بنظرية العقد، ونظرية العقد مثل سائر النظريات الفقهية تتناول مرة أخرى ذوات المكلَّفين، نعم، بالتوجيه والتزكية والإرشاد والعظة، نعم، كما تتناول موضوعات المعاملات المالية بأنواع العقود، أنواع هذه المعاملات، وبيان أحكامها الشرعية: ما الممنوع منها وما هو الجائز، ثم بما تُحدِثه في النظام العام. ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى في مواضع عديدة من كتابه الكريم يبين عاقبة الخلل في هذه العقود، ويبين مغبَّة عدم الاكتراث بالضوابط الشرعية، بالأحكام التشريعية اللازمة للعقود؛ فعلى سبيل المثال: إذا ما دخل الفساد في الذمم، نعم، وتعامل الناس بما حرَّم الله تبارك وتعالى من أنواع الرِّشَا والفساد وأكل أموال الناس بالباطل، فإن ذلك يفضي إلى تكدُّس الثروات في أيدي قلَّة منهم، ولذلك يبين الله تبارك وتعالى في سياق واحد هذه العاقبة فيقول: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7]، نعم. طيب، إذن الآن حتى نفهم الجواب على هذا السؤال: حصل خلل جعل الفقهاء في كثير من العصور، وفي هذه العصور المتأخِّرة، يُعرِضون عن الالتفات إلى فقه الذات وفقه النظام العام، ويُسلِّطون أنظارهم فقط على الموضوع، على فقه الموضوع، نعم، ولذلك لم يتبيَّن الناس محاسن الفقه الإسلامي، نعم، لم يعرفوا الروائع الحضارية التي أوجدها الفقهاء الكبار، الأئمة الأعلام. لا يمكن إنكار أن هناك روائع ومحاسن عظيمة تناولت وجوه الحياة، ولذلك قاد المسلمون ركب الحضارة الإنسانية في العلوم، في المعارف، في الثقافات، في الأخلاق، في مختلف وجوه الإبداع الإنساني؛ لأن الالتفاتة إلى النظام العام وإلى فقه الذوات، نعم، كانت بقدر كافٍ لتحقيق هذه الغاية، جميل. لكن بدأ المسلمون يتراجعون، فلا يلتفتون إلا إلى الموضوعات، يبيِّنون أحكامها الشرعية مجتزأة عما يتعلق بتوجيه الفرد وبحفظ النظام العام، ولذلك ساءت العلاقة بين الفقه الإسلامي الذي ينتجونه - لا نتحدث عن حقيقته، وإنما نتحدَّث عن نتائج الفقهاء المعاصرين أو في الأعصر المتأخِّرة - حصلت فجوة بين هذا الفقه الإسلامي وبين جماهير المسلمين، كما حصلت علاقة مضطربة بين الفقه الإسلامي وبين ذوي النفوذ والسلطة، نعم، فتارة يجنح الفقهاء لإرضاء ذوي السلطة، نعم، وتارة يجنحون صوب حيازة رضا الجماهير، فيستبد بهم ذلك بعيدا عن الحق والرشد ومقتضيات الفقه الإسلامي، جميل. ولا يمكن أن تُحسَّن هذه العلاقة إلا إذا التفت الفقهاء اليوم إلى هذه المنظومة، فكشفوا للناس - سواء كانوا من عموم المسلمين أو كانوا من ذوي السلطة والحكم، نعم - كشفوا لهم مزايا هذا الفقه الإسلامي، وكيف أنه يورث الحياة انتظاما واعتدالا، وأنه يرفع عنهم الحرج والضيق، ويبدِّد عنهم المكاره والمشاق، يزيل عنهم الأغلال الدنيوية التي أحاطت بهم، نعم. ولا يكون ذلك بالشعارات، بل لا بد أن تظهر الكنوز التي يشتمل عليها الفقه الإسلامي، نعم، إذ في تمكين الفقه من إدارة شؤون الحياة توسعة للناس، جميل، وإبعاد لهم عن الجفاء، وإبعاد لهم عن الغلو، وإبعاد لهم عن الحرج والضيق، وسيرون كيف أن ثرواتهم تُحفَظ، وأن أعراضهم تُصان، نعم، وأن دماءهم تُحفَظ، وأن الحقوق تُؤدَّى إليهم؛ إذ من وظائف الفقه أن يحمل الناس على ما يسعهم في دينهم، نعم. فإذا اكتملت هذه المنظومة أمكن أن تكون هذه العلاقة علاقة كما أرادها الله تبارك وتعالى عندما قال: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181]، نعم، فلئن كان مجموع الأمة موصوفا بهذه الصفات، فإن أهل الذكر العدول الأمناء أحرى أن يصدق فيهم هذا الوصف، وأن يكونوا ممن يهدون إلى الحق وبه يعدلون. وهذا لا يعني - سنتعرَّض له لاحقا - أن لا تكون هناك عقبات وصعوبات يواجهها أهل الفقه الإسلامي، أو يواجهها جماهير المسلمين، لكن لا مناص من هذا الانتظام. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠👁 2 مشاهدة
🎬

سؤال أهل الذكر | الفقه الإسلامي.. تجديد الحياة أم تبرير الواقع - الجزء الثاني

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

علاقة الفقه بالجماهير والسلطة

2 👁

ما العلاقة بين الفقه وجماهير المسلمين وبين الفقه والسلطات؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٨‏/١٠‏/٢٠١٧

قدرة الفقه على مواكبة العصر

2 👁

هل الفقه الإسلامي يتماشى مع كل عصر ويتطور حسب التغيرات البشرية والحياتية، وما دور الفقهاء في ذلك؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٨‏/١٠‏/٢٠١٧

تعريف الفقه واعتماده قانوناً

2 👁

كيف تكوَّن الفقه الإسلامي تاريخياً، وما معناه، وكيف ومتى أصبح قانوناً عملياً للحياة يُحتكم إليه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

قدرة الفقه على مواكبة العصر

2 👁

هل الفقه الإسلامي يتماشى مع كل عصر ويتطور حسب التغيرات البشرية والحياتية، وما دور الفقهاء في ذلك؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

الفقه السياسي والأمن والسلم

2 👁

هل استطاع المسلمون تقديم فقه سياسي يحافظ على كيانهم ويسمح بتدخل الفقهاء في الأزمات السياسية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

الفقه السياسي والأزمات المعاصرة

2 👁

هل استطاع المسلمون تقديم فقه سياسي يحافظ على كيانهم ويسمح بتدخل الفقهاء في الأزمات السياسية الراهنة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٨‏/١٠‏/٢٠١٧