⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن القدس وما تشتمل عليه من المسجد الأقصى معلم من هذه الرسالة الخاتمة، لهدايات النبوات السابقة، الوارثة لميراث الرسالات التي بعثها الله تبارك وتعالى في العالمين.
نعم، فهي قضية دينية؛ لأن الله تبارك وتعالى جعل قبلة المسلمين الأولى في دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس. نعم، فالله تبارك وتعالى حينما قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: 143]، وثبت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق عديدة –أشهرها من طريق البراء بن عازب– أنه صلى إلى بيت المقدس ثمانية عشر شهرا، وورد في بعض الروايات ستة عشر شهرا، وفي بعضها سبعة عشر شهرا، ونصت الرواية على أنه صلى إلى بيت المقدس، نعم، ثم صلى شهرين بعد الهجرة حتى جاء أمر الله تبارك وتعالى في قوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144].
فكون المرحلة التأسيسية الأولى، التي رُسِّخت فيها العقيدة، وانبعث فيها نور الحق، يُؤمَر فيها المسلمون بأن يتجهوا إلى بيت المقدس في صلواتهم، فهذا له من الدلالة الإيمانية الحضارية ما لا مزيد عليه.
وتأكد هذا في حادثة فارقة في تاريخ الدعوة الإسلامية، في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي حادثة الإسراء والمعراج، نعم، وقد نص الله تبارك وتعالى على ذلك في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
فجعل ربنا تبارك وتعالى المسجد الأقصى صِنْو المسجد الحرام، وهذا الارتباط بين معالمه ظاهر؛ لأن البيت الحرام هو القبلة الجديدة التي استقر المسلمون عليها بأمر الله تبارك وتعالى، وهي أشد البقاع حرمة عند الله تبارك وتعالى، والمسجد الأقصى هو القبلة الأولى، نعم، وقد اجتمعا في حادثة الإسراء والمعراج، وهذه الدلالة الإيمانية ظاهرة أيضا لا تخفى على أحد.
ولذلك فإن بيت المقدس قضية إيمانية، هي من حُرُمات هذا الدين، ومن علامات الإيمان فيه، هي قضية جامعة للمسلمين، من الجوامع الكلية التي تبعث فيهم عوامل الانبعاث الإيماني والاستجابة لأمر الله تبارك وتعالى بصون هذه المقدسات وحفظها وحمايتها، وبتقديسها كما أمر الله تبارك وتعالى، وبأداء حقوق أهلها إليهم جميعا، نعم، بمختلف ما ينتسبون إليه من ملل وشرائع؛ لأن أهل هذا الدين ورثوا ميراث النبوات السابقة، فألزمهم الله أن يحفظوا هذه المقدسات، وأن يصونوها من عبث العابثين، وأن يمنعوا عنها أيدي الطغاة المتكبرين، وأن يحرروها من دنس كل من تسوِّل له نفسه أن يعتدي عليها، نعم.
وحينما ننظر في هذه الآيات القرآنية نجد أن الأمر الأول المتعلق بقبلة المسلمين الأولى، نعم، ورد في سياق تذكير هذه الأمة بما تنتسب إليه، وبالمكانة التي بوَّأها إياها ربها تبارك وتعالى، حينما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143] ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، وكذا الحال حينما ننظر أيضا في سورة الإسراء –التي سميت السورة كلها سورة الإسراء– وما ورد فيها من بيان لمكانة هذه الأمة، ولمعالم رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولموقفه من أتباع ملل سابقة وكتب سماوية سابقة، فإن ابتداء هذه السورة بـ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾، كل هذه العوامل تؤكد على أن هذه المقدسات لها حرمات عظيمة بالغة، وأن على المسلمين واجب حفظ هذه المقدسات، وأن يصونوها، وأن يبذلوا الغالي والنفيس حفظا لها، وإرساء لحقوقها، وحفظا لعقيدتهم وإيمانهم ودينهم، وحفظا لكلمتهم، وحفظًا لعزّهم وكرامتهم وشرفهم.