مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

سر مكانة المسجد الأقصى

ما الذي أعطى المسجد الأقصى هذه المكانة ليكون محور صراع شديد بين المسلمين وغيرهم وبين الشرق والغرب؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الحقيقة أن المسجد الأقصى قضية دين، وعقيدة، وإيمان. ونحن إذا نظرنا في كتاب الله عز وجل، سنجد جملة من الأوصاف التي ذكرها لنا ربنا تبارك وتعالى، مما يجعل من هذه القضية قضية عقيدة وإيمان. أول ما نجده في كتاب الله عز وجل هو قوله تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]. فهذه الآية الكريمة يجمع الله تبارك وتعالى فيها لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ملةَ إبراهيم الخليل وميراثه، وميراثَ الأنبياء من ذريته من بعده؛ ذلك أن إبراهيم عليه السلام كان بعض ذريته في فلسطين، فإسحاق كان في فلسطين، وكذلك كان يعقوب عليهما السلام، وكذلك كان أكثر الأسباط حتى بلغ يوسف عليه السلام –في القصة المذكورة في سورته من كتاب الله عز وجل– إلى أرض مصر، لكن هذا الفرع من ذرية إبراهيم عليه السلام كان في فلسطين، وفرعه الآخر وهو إسماعيل عليه السلام كان في مكة المكرمة. وتسلسل النبوات من بعد إنما كان من ذرية إبراهيم عليه السلام، فجمع الله عز وجل في النبي الخاتم رسولِنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا الميراث المرتبط بمكة المكرمة وبالمسجد الأقصى من بلاد فلسطين. وهذا ما لا ينتبه له كثير من الناس حين يقرؤون سورة الإسراء؛ ذلك أن آخر سورة النحل ورد فيه أن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يكُ من المشركين، شاكراً لأنعمه، اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم، فتحدثت الآيات هنا عن إبراهيم عليه السلام، وتأتي سورة الإسراء لتتحدث عن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حدث معجز فارق في تاريخ الدعوة الإسلامية، يرتبط فيه المكان؛ يرتبط فيه المسجد الحرام بالمسجد الأقصى، مما يشي بوراثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهذه المقدسات، ووراثته لما تركه إبراهيم الخليل مما يتعلق بالملة وتوحيد الله تبارك وتعالى. واستعمال وصف المكانين بأنهما مسجدان يؤكد هذا المعنى؛ فإن الله تبارك وتعالى لم يقل: من مكة إلى فلسطين، لم يقل: من الحجاز إلى الشام، وإنما قال: من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهذا معنى آخر. ثم إن الله تبارك وتعالى وصف المسجد الأقصى بقوله: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، ولَئِن كان ما حوله مباركاً فمن باب أولى أن يكون المسجد الأقصى محور هذه البركة. وهذا المعنى نجده متكرراً في كتاب الله عز وجل؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 71]، فيخبرنا عن إبراهيم عليه السلام وعن لوط عليه السلام أنه نجاهما إلى الأرض التي قال: ﴿بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. ولما تحدث عن سليمان عليه السلام قال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: 81]، مرة أخرى نجد أن الله تبارك وتعالى يصف أرض فلسطين بما يشتمل عليه من المسجد الأقصى بأنها أرض مباركة للعالمين. ونجد في القرآن الكريم أن الله تبارك وتعالى حينما أخبرنا عن أهل سبأ قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: 18]، مرة أخرى يصف قرى فلسطين الدائرة في أكناف بيت المقدس بأنها محفوفة بالبركات بسبب المسجد الأقصى، وبسبب تاريخ النبوة فيها، وبسبب من أقام فيها من الأنبياء والمرسلين الكرام عليهم الصلاة والسلام، وبسبب الخير الذي أودعه الله تبارك وتعالى فيها. إذاً هذه هي أسباب البركة، لكن لما يخبرنا الله عز وجل عن مباركته لهذه الأرض، وأن بركتها هي بركة للعالمين، ما المقصد؟ لو لم يكن إلا لفتَ انتباه المخاطَبين –أهلِ القرآن من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم– أن لهذه البقعة شأناً عند الله عز وجل، فيلفت أنظارهم إلى هذه المنزلة العظيمة. ولَئِن كان سبب البركة هو ما أودعه فيها مما تقدم ذكره من الأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، ومن النبوات ودعوات الرسالات الربانية الإلهية، ومما أُنزل فيها من كتب سماوية، ومن هدايات وحي الله تبارك وتعالى، ومن المؤمنين الأتقياء الصلحاء الذين اتبعوا الأنبياء والمرسلين فيها، ولِما أودعه فيها أيضاً من خير، ولِمَن دُفن فيها من الأنبياء والمرسلين… إلا ليكون ذلك باعثاً لهؤلاء المخاطَبين لحفظ أسباب هذه البركة، والمحافظة عليها، ومواصلة موجبات هذه البركات. يتأكد هذا المعنى أيضاً بما ورد في قصة موسى مع المؤمنين من بني إسرائيل، حينما خاطبهم قائلاً: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 21]، وقد تقدم بيان معنى الآية الكريمة في جزء: ﴿كُتِبَ اللهُ لَكُمْ﴾، لكن هنا نجد وصفاً آخر، وهو أنها أرض مقدسة، والتقديس هو من أعلى الصفات؛ لأنه يدل على التنزيه، والطهارة، والنقاء. ولذلك فإن الله تبارك وتعالى سمى نفسه القدوس في كتاب الله عز وجل، وجعل خير الملائكة روحَ القدس جبريلَ عليه السلام، فهذا الوصف لا يرد إلا فيما هو جليل القدر عظيم الشأن؛ لأنه يدل على النقاء والطهر والخلاص من كل الشوائب. وهذا لا يكون إلا بتطهير الأرض المقدسة، بتطهير أرض فلسطين والمسجد الأقصى من مظاهر الشرك والنفاق والخيانة، وكل ما يسخط الله تبارك وتعالى؛ إذ لو كان المقصود تقديسها في المقام الأول من النجاسات الحسية لوجدنا تعارضاً بين تاريخ هذه البلاد وبين مثل هذا الفهم ينافي البركة، ينافي القداسة والبركة. لكن المقصود –إذا ربطنا هذا المعنى بمعنى البركة المتقدم، بأسباب البركة، بأصول هذه البركات التي أودعها الله تبارك وتعالى في أرض فلسطين في المسجد الأقصى– فإننا سنفهم أن المقصود هو حفظ هذه القدسية للمسجد الأقصى ولأرض فلسطين؛ بمعنى تطهيرها من مظاهر الإلحاد والشرك، وكل ما يتعارض مع توحيد الله تبارك وتعالى وإخلاص العبودية له، وتخليصها من كل أنواع الظلم والطغيان والعدوان. ولذلك كانت بركتها للعالمين؛ لأنها مطهَّرة منقَّاة من كل هذه الأنجاس والأقذار النفسية والإيمانية والخلقية، وقد كانت كذلك عبر تاريخها؛ فقد كانت الصخرة الصلدة التي تقف في وجه الظلم والعداوة، وفي وجه الإلحاد والشرك؛ فعند صخرتها تحطم المغول، وتحطم الرومان في وثنيّتهم، وتحطمت شوكتهم في نصرانيتهم، والصليبيون كذلك انكسرت شوكتهم في زمن صلاح الدين عند أكناف بيت المقدس، فهذا يؤكد هذه المعاني جميعاً. إلى جانب آخر –حتى قبل أن ننتقل إلى ما يرد في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم– سنجد أن من المعاني الإيمانية أن الله تبارك وتعالى قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: 143]، هذا الجَعْل في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾؛ فقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى المؤمنون معه في مكة المكرمة إلى بيت المقدس –صحيح أن الكثير من الآثار تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يتجه إلى الكعبة ومن ورائها بيت المقدس، فكان يجعل الكعبة بين يديه في توجهه إلى بيت المقدس عندما كان في مكة– لكنه حينما هاجر إلى المدينة المنورة، فخلال هذه الأشهر –بعد ستة عشر شهراً– كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار يتجهون في صلواتهم الخمس إلى بيت المقدس. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتشوّف: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144]، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]، لكن حتى لا يظن ظانٌّ أن تلك القبلة إنما كانت باجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بيَّن لنا ربنا تبارك وتعالى –مع أنه لا يوجد في القرآن أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتجه إلى المسجد الأقصى، إلا أن هذا من الوحي غير المتلو– لكن آية: ﴿وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ هي التي بيَّنت أن ذلك إنما كان بتشريع من الله تبارك وتعالى. وهذا التشريع كان به امتحان للمؤمنين الصادقين من أولئك السفهاء الطاعنين في دين الله تبارك وتعالى، فالتوجه إلى القبلة، إلى بيت المقدس في صدر الإسلام، وفي ستة عشر شهراً من هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، دليل على مكانة المسجد الأقصى، وعلى منزلته في هذا الدين الحنيف، وأن المسجد الأقصى هو من مقدسات المسلمين، هو من المقدسات الإسلامية التي يجب عليهم حفظها وصيانتها والدفاع عنها، والذود عن حياضها، وبذل الغالي والرخيص في سبيل حفظ هذه المكانة التي أودعها الله تبارك وتعالى لها. وإذا نظرنا في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم –إن أردت أن يمتد الحديث قليلاً فيما يحضرني الآن…– فسنجد أيضاً من الأحاديث ما يؤكد هذه المكانة. فقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم –وهذا الحديث ورد من عدة طرق، أشهرها من طريق أبي هريرة ومن طريق أبي سعيد الخدري– أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: إِلَى المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى». هنا نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجعله في هذا الحكم الخاص من شد الرحال بقصد أداء العبادة وزيارة هذه البقاع المقدسة، نجد أنه يجعل المسجد الأقصى في رتبة واحدة مع المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف. وفي روايات أخرى –من حيث مضاعفة أجر وثواب أداء الصلاة والعبادة– نجد روايات عديدة تتعلق بالمسجد الأقصى تختلف في حجم المضاعفة، لكنها جميعاً –ما هو مقبول منها وما هو غير مقبول بحسب الصنعة الحديثية– تتفق على أن للصلاة في المسجد الأقصى أجراً مضاعفاً غيرَ أجور أداء الصلوات في أي بيت من بيوت الله تبارك وتعالى سوى المسجد الحرام والمسجد النبوي؛ فقد ثبت أن لأداء الصلاة في المسجد الأقصى فضلاً مضاعفاً وأجراً كبيراً. وفي حديث أبي ذر –عند طائفة من أصحاب السنن والمسانيد– أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيُّ بيتٍ وضع في الأرض أول؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «المسجدُ الحرام». قال أبو ذر: فقلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: «المسجدُ الأقصى». قال: كم كان بينهما؟ قال: «أربعون سنة». إذاً المسجد الأقصى –وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى كما ورد في كتاب الله عز وجل– هو ثاني مسجد وُضع للناس في هذه الأرض بعد الكعبة المشرَّفة بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. كل هذه الأوصاف التي أحيط بها المسجد الأقصى في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو اقتصرنا فقط على هذه الأدلة الشرعية، لكان ذلك كافياً لتأكيد مكانة الأقصى وأرض فلسطين، ولتأكيد واجب المسلمين في تخليص هذه البلاد، في تخليص هذه المقدسات من دنس كل من يعتدي عليها ويظلم أهلها ويغتصب أرضها ويمضي فيها بالفساد؛ فهذه مسؤولية هذه الأمة تقع على عاتقها، ولا مناص لها من أداء هذه الأمانة، وإبراء ذمتها أمام الله تبارك وتعالى بأداء هذه المسؤولية. والله تعالى المستعان.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢٣‏/١٠‏/٢٠٢٣👁 2 مشاهدة
🎬

مكانة الأقصى والدفاع عنه - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي

الحديث الشريفالعقيدةالقران الكريم

✦ فتاوى مشابهة

مكانة القدس والأقصى

2 👁

ما المكانة التي وضعها الإسلام للقدس والمسجد الأقصى وما دلالتهما الإيمانية للمسلمين؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

مكانة القدس والأقصى

2 👁

ما المكانة التي وضعها الإسلام للمقدسات عموماً، مع تخصيص القدس والمسجد الأقصى بالذكر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٠‏/١٢‏/٢٠١٧

خصوصية المسجد الأقصى

2 👁

لماذا كان الإسراء إلى المسجد الأقصى لا إلى المدينة المنورة مع قرب بناء المسجد النبوي، وما رمزية اختيار الأقصى ومعنى قوله تعالى: الذي باركنا حوله؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٧‏/٦‏/٢٠١٢

نصرة قضية الأقصى

2 👁

كيف ينصر المسلم قضية المسجد الأقصى وما الواجب عليه تجاه أهل فلسطين؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
١٩‏/٧‏/٢٠٢١

الأقصى وعزة الأمة

2 👁

هل نفهم أن مكانة المسجد الأقصى مرتبطة بعزة الأمة، فإذا التفتت إليه كانت عزيزة وإذا أهملته كانت ذليلة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٣‏/١٠‏/٢٠٢٣

مغزى ربط الحرمين بالأقصى

2 👁

ما المغزى الذي يجب أن تستوعبه الأمة من ربط حادثة الإسراء بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٨‏/٥‏/٢٠١٥