⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
إذا كان العام الهجري يرتبط بالتاريخ الهجري، والتاريخ الهجري إنما بُني على حادثة الهجرة نظرًا لأهميتها ولمكانتها، ومن أجل ذلك اختار المسلمون –في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه– أن تكون منطلقًا لتاريخهم؛ فإن في حادثة الهجرة من الدروس والعِظات ما يبدِّد اليأس عن النفوس، ويزيل حالة التشاؤم، ويجدِّد الأمل، ويبعث على الطموح.
يكفينا أن الله تبارك وتعالى يبيِّن للناس جميعًا بأنه ناصرٌ دينه؛ في مطلع الآية يقول: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ [التوبة: 40]، فالله عز وجل هو الذي يتكفَّل بنصرة دينه وأهل دينه حينما يأخذون هم بالأسباب. نعم، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]، كما تقدَّم أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69].
إذًا حادثة الهجرة تعلِّم الناس اليوم أن عليهم أن يأخذوا بالأسباب، ثم يتوكَّلوا على الله تبارك وتعالى، ويكِلوا النتائج إليه سبحانه. وهي تعطينا –في أسمى عظاتها– أنه لا بد من العمل؛ لا يكفي التخطيط، لا يكفي أن نضع خطةً إثر أخرى ثم بعد ذلك لا تجد تلك الخطط طريقها إلى العمل والتنفيذ، لا بد من العمل.
فحتى وإن كانت الخطة في ظاهرها سهلةً يسيرة، لكن حينما يبدأ المكلَّف بالعمل بها –لنفترض أن طالب علمٍ يريد أن يتطوَّر في علمه، أو أن موظفًا يريد أن يتطوَّر في وظيفته، أو أن مخطِّطًا لنهضة مجتمعٍ من المجتمعات يريد الرفاه وحسن العيش لذلك المجتمع– هل يمكن أن يقتصر دورهم على وضع الخطط دون أن ترى طريقها إلى التنفيذ؟ لا يمكن قطعًا.
ولذلك نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حادثة الهجرة –ونحن لا زلنا نتحدَّث عمّا يمكن أن يبدِّد اليأس ويزيله من واقع حياة المسلمين اليوم– المسألة ليست معقَّدة، المسألة غايةٌ في اليُسر والسهولة، لكنها تحتاج إلى عمل.
في غزوة العُسرة تخلَّف نفرٌ من المنافقين، وتخلَّف بعض المؤمنين، فكانوا صادقين، وما كان لهم من عذر، حتى أتَوا تائبين مستغفرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]، ثم تُرَدُّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبِّئكم بما كنتم تعملون. قال: ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ﴾؛ إذًا إن كنتم صادقين في توبتكم فلا بد أن تُظهِروا عملكم الصالح، وسيشهد عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيشهد عليكم المؤمنون بأنكم انقلبتم عن حالة التخلُّف التي كنتم فيها إلى حالة العمل، وستُرَدُّون إلى عالم الغيب والشهادة المطَّلع على السرائر الذي لا تخفى عليه خافية.
إذًا هؤلاء –مع أنهم تخلَّفوا وأتَوا تائبين– إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طالبهم بالعمل، قال: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: 105]. وكذا الحال بالنسبة للمنافقين أيضًا؛ حينما ادَّعوا أنهم تابوا، أيضًا طالبهم بالعمل. فما نحتاج إليه هو أن لا نقتصر على مجرد التخطيط دون أن يصحب ذلك التخطيطَ عملٌ، وإلا كان تخطيطُنا مجرَّد نظرياتٍ جوفاء، أو مجرَّد هباءٍ لا يمكن أن ينتفع منه لا الفرد، ولا المجتمع، ولا الوطن.
في حادثة الهجرة ما الذي حصل؟ لأن كثيرًا من الناس يسلِّطون أنظارهم على ما حصل في الحادثة نفسها، ويغفلون عمّا هو أهمُّ من ذلك؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان يعرِض نفسه على القبائل ليبلِّغ دعوة الله تبارك وتعالى إلى الناس –هذا في ذاته دليلٌ يجب أن نقف عنده– لأن نشر دعوة الحق إلى الناس من أولى أولويات المسلمين، وهذا ما كان يصنعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه صاحب حقّ، ورسالته رسالة رحمةٍ وأمنٍ وسلامٍ، ولذلك فقد كان ينشرها لا بالإكراه، وإنما بالإقناع، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.
فكان يعرِض نفسه على القبائل حتى آمنه وصدَّق به بنو قَيْلة –أي الأوس والخزرج– من المدينة المنوَّرة، فكانت بيعة العقبة الأولى، ثم جاءت بيعة العقبة الثانية –بضعٌ وسبعون رجلًا وامرأة، يُقال: ثلاثةٌ وسبعون رجلًا ومعهم امرأتان– في بيعة العقبة التي سمَّاها كثيرٌ من كُتَّاب السِّير «فتح الفتوح»؛ لأنهم عاهدوه فيها على حرب الأحمر والأسود، على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأطفالهم.
وكانت قبل الهجرة بثلاثة أشهر؛ هنا أدرك طواغيت الشرك في مكة المكرَّمة أن هذه الدعوة دعوةٌ منتشرة، وأن محاولاتهم للقضاء عليها ستُجهَض عما قريب، وأن هؤلاء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعوه وهم مدركون لما يبايعونه عليه. ولذلك حاولوا خنقها في محاولةٍ أخيرةٍ منهم بأن يَمْكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].
إذًا هذه البيعة –وهي درسٌ آخر– مع الإصرار على نشر الحق والخير والرحمة ومبادئ هذا الدين بين الناس؛ فإن إقامة أود العلاقة –هنا– لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتشوَّف إلى إقامة دولةٍ في المدينة المنوَّرة، فبناها على بيعةٍ قائمةٍ على التراضي، واضحةٍ في شروطها، حصلت بتراضٍ من الطرفين، ما كانت مؤسَّسةً على إكراهٍ أو على جَبْرٍ أو على مُوارَبة، وإنما كانت واضحةً جليَّة.
وهذا ما يحتاج إليه المسلمون اليوم؛ يحتاجون إلى وضوح رؤية، يحتاجون إلى أن تتبيَّن لهم رسالتهم وغايتهم التي يصِلون إليها، وأن يبنوا وسيلتهم أيضًا على وضوحٍ وصدقٍ مع الناس أجمعين.
فلما تهيَّأ ذلك، إذا به صلى الله عليه وسلم –في الأشهر الثلاثة التي امتَلَكَت بيعةُ العقبة– يبعث أصحابه إلى المدينة المنوَّرة، حتى كان هو عليه الصلاة والسلام مهاجرًا في آخرهم مع صاحبه أبي بكر الصدِّيق رضي الله تعالى عنه؛ ليؤسِّس بعد ذلك –في المجتمع– ما يؤدِّي إلى تحوُّل حالةِ المسلمين الذين كانوا مضطهدين، مظلومين، محتقَرين، يُمارَس عليهم كلُّ أنواع الظلم والاضطهاد، والتضييق عليهم في دينهم وعبادتهم؛ إذا به بعد ذلك ينفي عنهم كلَّ هذه الأحوال، ليتحوَّلوا إلى تأسيس مجتمعٍ يكون نواةً لدولة، يقيم فيها علاقات –حتى مع سكَّان المدينة من غير المسلمين من اليهود ومن الأعراب– فيما يُعرَف بميثاق المدينة.
نعم، فهذا الحدث في ذاته كافٍ للاعتبار في نفي أسباب اليأس والقنوط، وفي إزالة كلِّ أسباب التشاؤم، وفي تجديد الأمل، وبعث الطموح، شريطةَ أن يكون مقترنًا بالعمل، مع التوكُّل على الله سبحانه وتعالى؛ لأن التوكُّل –حينئذ– توكُّلٌ في محلِّه، هو أخذٌ بالأسباب مع إيكال النتائج إلى ربِّنا المولى الكريم.