⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
العدالة – من حيث أيضا تكييفها الإيماني، أي ما يتصل بالعقيدة – تُورِث النفوس طمأنينة ورضا، كما تحقق لها صدق الإيمان باليوم الآخر.
فهناك العدالة المطلقة، فمن كان مظلوما في هذه الحياة الدنيا ولم يُنصَف، أو كان محروما، أو كان أقل حظًّا من غيره – مع سعيه إلى المطالبة بحقوقه أو إلى أن يُحسِّن من أوضاعه وأحواله، لكنه ما استطاع إلى ذلك سبيلا – فإنه بالإيمان يوقن أن هناك عدالة مطلقة من الملك الديان، الحكم العدل الكريم الرحيم، فيبعث ذلك في نفسه الطمأنينة، ويحقق له التعلّق باليوم الآخر، كما يبعثه إلى حُسن السعي إلى إحسان العمل ابتغاء الثواب، وطلبا للعدالة له في الحياة الآخرة.
وهذا الأمر غاية في الأهمية؛ لأن جملة من المتصدرين لخطاب الرد على شبهات المشكِّكين أو المرتابين أو الملحدين يغفلون عن هذه القضية، في حين أن كثيرا من بني البشر اليوم يتطلعون إلى العدالة، فإن لم يوجد في نفوسهم إيمان باليوم الآخر، فهذا يعني أنه لا أمل لهم في هذه الحياة، لا أمل لهم في عدالة، لا أمل لهم في رفع الظلم عنهم أو تحقيق ما هم محرومون منه، أو بلوغ غاياتهم، أو الانتصاف لهم من مجتمعاتهم التي ظلمتهم.
فينبغي للخطاب الإيماني اليوم أيضا أن ينتبه إلى هذه القضية: إن العدالة سبب – ولا أقول بأنها من الحجج النقلية السمعية، بل يمكن أن تكون من الحجج العقلية الداعية إلى إقناع الآخر بأهمية الإيمان بالله واليوم الآخر.
ثم نعود أيضا إلى ظاهرة أخرى تتعلق بمسألة صلة العقيدة بالعدالة أو القسط بالإيمان؛ ليست العدالة في هذا الدين مجرد أمر مصلحي يُسعى إليه حينما تكون مصلحة أغلب الناس متحققة في العدالة، ثم يُعرَض عنها حينما لا تكون كذلك، أو أنها تُبسَط حينما تكون لمصلحة فئة من الناس أو شعب من الشعوب، لكنها لا تكون مبدأ حينما يكون هناك تعامل مع الآخرين.
هذا هو أهم ما يميز هذه العدالة في دين الله تبارك وتعالى؛ فهي تنطلق من مبدأ رباني أصيل، ولذلك الآية السابقة: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا﴾ ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وتلخيص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لدعوته في قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾، أي جميعا، والخطاب في العهد المكي للمشركين في المقام الأول، ويأتي ليقول لهم: أُمرتُ لأعدل بينكم، لأبسط العدالة بينكم.
ولهذا نجد أنه حينما فُتحت مكة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار ما يليق بمقام النبوة؛ عفا عمَّن ظلمَه وظلم المسلمين من المشركين، عفا عنهم وأطلق سراحهم وعاملهم بالإحسان، ولذلك ذهب ما في نفوسهم من العداوة والحقد، وأدركوا عظمة هذا الدين، وأنه يدعو إلى قيم نبيلة.
وأمثال هذه الصور في ديننا كثيرة، فلذلك لم تكن مسألة العدالة – أو قضية العدالة عندنا – قضية مرتبطة بما يسمى اليوم بتكتيك أو تخطيط، وإنما هي مبدأ أصيل نُسأل عنه عند الله تبارك وتعالى؛ ولذلك: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47] تذكير، ويقول: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 9] بقطع النظر عمَّن نتعامل معه.
فهذه القضايا تجعل من مسألة العدالة قضية مرتبطة بالدين، ولهذا نجد في تطبيقاتها – كما تفضلتم في المقدمة – أنها تشمل، تبدأ من شؤون الأسرة والتربية، تمتد بعد ذلك إلى ما يتعلق بالتعليم وحقوق العمل والعمال، لتشمل أيضا حتى حقوق الوطن: ما الذي يسوغ أن يتفاوض فيه من حقوق الوطن، كيف تُحمى، كيف تُحفَظ بيضة الوطن، كلها تتصل بمبدأ العدالة.