⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على قائد الغر المحجلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإنه من المعلوم أن استقامة جميع الأمور إنما تنبني على العقيدة الصحيحة، والله سبحانه وتعالى عندما أرسل رسله وأنزل كتبه كانت العناية فيما أُنزل وفيما أُرسل بالجانب العقدي، إذ كل رسول من رسل الله سبحانه وتعالى مع تنوّع المشكلات التي كانوا يواجهونها كانوا يلتقون جميعاً على ترسيخ العقيدة الصحيحة، كما يؤذن بذلك القرآن الكريم، إذ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]، ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].
ولا ريب أن كل جزئية من جزئيات الإيمان فضلاً عن الكليات لها آثار بالغة في توجيه الإنسان إلى المنهج الصحيح والاستقامة على الطريقة، وإنما الإيمان بالله واليوم الآخر من أهم ركائز الإيمان التي تُبصِّر الإنسان بالحقيقة، وتجعله يسير سيراً حثيثاً إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، لأنه –كما قلنا أكثر من مرة– الإيمان بالله سبحانه وتعالى هو الذي يجعل الإنسان يعرف المبدأ، وأن الله سبحانه الذي فطر هذا الوجود بأسره هو الذي أخرجه أيضاً من العدم إلى الوجود، وأسبغ عليه نعمه ظاهرةً وباطنة، وأنه أحوج ما يكون إليه، بحيث لو تخلى سبحانه وتعالى عنه في أقل من لحظةٍ لهوى إلى غير قرار، كما أنه سبحانه وتعالى لو تخلى عن أي شيء في هذا الكون لهوى أيضاً إلى غير قرار، وفي استقرار الكون طمأنينةُ الإنسان باستقراره سلامةٌ لهذا الإنسان، إذ له سبحانه وتعالى هو الذي يحفظ هذا الكون بأسره، كما يدل على ذلك قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ۚ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 41]. فهذه نعمة عظيمة، وهذا يدل على أن كل ذرة في الكون هي نعمة على الإنسان، وفي حفظ الله سبحانه وتعالى لأجزاء هذا الكون حفظٌ للإنسان ووقايةٌ له من الشرور والأخطار، وهذا يحثُّ الإنسان حثّاً بالغاً على السعي إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، والعمل بطاعته، والوقوف عند حدوده.
ولكن مع هذا كله فإن الإنسان تطغى عليه عوامل كثيرة ومؤثرات متنوعة، بعضها نفسي وبعضها اجتماعي، وتتدافع وتتجاذب ضرورات هذه الحياة المتنوعة، فلذلك قد تدفعه نفسه الأمارة بالسوء إلى مخالفة أمر الله، وعدم المبالاة في اقتحام الخطوط الحمراء من شريعته. لذلك كان الإيمان باليوم الآخر هو الحِمى للإنسان من أن يتجاوز حدود الله، وأن يقتحم إلى جانب الخطوط الحمراء فيما شرع الله سبحانه وتعالى.
فالإنسان ولا ريب عندما يؤمن باليوم الآخر إنما يؤمن بالمَآل، يؤمن بالحساب والجزاء، ويؤمن بأن كل ما أقدم عليه الإنسان أو أحجم عنه فإنه مُسجَّل عليه، وأنه سوف يجازى عليه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 6 - 8]، ويقول عز وجل: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: 49]، ويقول سبحانه: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29].
فكل مخالفة فعلية أو تركية يجدها مسجَّلة عليه في صحيفته ويُجزى بها يوم القيامة. عندما يؤمن الإنسان بهذا يتغلب على ضرورات هذه الحياة، ويستطيع أن يسيطر على هوى نفسه، ويتحكم في نزعاته ونزغاته، حتى يتفاعل تفاعلاً تاماً مع إيمانه بربه سبحانه وتعالى، ومع إيمانه بالمآل إلى الله، وما يلقى عند الله سبحانه وتعالى من جزاء العمل.
فلذلك كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد فيهما من ترسيخ العقيدة الصحيحة، عقيدة الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، الإيمان الصحيح لا الإيمان الرجائي الذي يُعلَّق فيه الوعيد، كأنما الله سبحانه وتعالى يخوِّف عباده فحسب بما يتوعَّدهم به من غير أن ينفِّذ ما يتوعَّدهم، مع أن هذا أمر مردود عقلاً ونقلاً؛ فإنه ولا ريب يدرك الإنسان بفطرته أن الله سبحانه وتعالى هو أجل وأعظم من أن يقول لعباده ما لا يقع، فهو في وعده وفي وعيده لا بد من أن يكون ما يعدهم ويتوعَّدهم به صادقاً، إذ لو كان فيما يفعله سبحانه وتعالى مخالفة لما يقوله عز وجل لكان ذلك –ولا ريب– من صفات النقص التي يجب على الإنسان أن ينزِّه الله سبحانه وتعالى عنها، والله منزَّه عن كل صفات النقص.
وإذا كان الحق تبارك وتعالى يقول لعباده: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 3] فإن الله سبحانه وتعالى هو أجل وأعظم من أن يقول ما لا يفعل، وعداً كان أو وعيداً، فلا بد من أن ينفِّذ ذلك. ثم بجانب ذلك نجد الآيات القرآنية تدل على هذا؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: 64]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 9]، ويقول سبحانه: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: 28 - 29]. فكيف مع هذا يجرؤ إنسان على أن يُعلِّق وعيد الله سبحانه وتعالى، ويقول بأن ما توعَّد به عباده يفعل سبحانه وتعالى خلافه؟ فإن هذه هي عقيدة الإرجاء التي كانت عند أهل الكتاب، وقد جرَّتهم على مخالفة أوامر الله، والله سبحانه وتعالى أنكرها عليهم، وكيف يمكن أن يقرَّ هذه الأمة على ما أنكره على الأمم السابقة؟ فإن الله تعالى يقول في بني إسرائيل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: 169]، نعم، هذا الذي جرَّأهم على معاصي الله.
ولا ريب أن هذه الأمة ركبت مَركَب الأمم السابقة، وسارت في طريق الأمم السابقة تصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ»، وعندما سئل: اليهودُ والنصارى؟ قال: «فَمَنْ؟». ولا ريب أن هذه العقيدة –مع عقيدة تحديد وقت الجزاء في الدار الآخرة– دفعت أولئك إلى الكثير من المخالفات الشرعية، وهذا واضح في القرآن الكريم؛ حسبُنا أن نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: 23]، ثم يعلِّل ذلك بأن منشأ هذا عقيدةٌ راسخة في نفوسهم عندما يقول بعد ذلك بأنهم قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: 24]، وغرَّهم في دينهم ما كانوا يفترون.
ولا ريب أن مصائب هذه الأمة من مثل هذا المعتقد لم تكن بأقل من مصائب الأمم السابقة، فنحن إذا قلبنا صفحات التاريخ، ودرسنا ما كتبه الكاتبون وجدنا من ذلك أمراً عجباً، فإننا نجد مثلاً الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء"، وابن كثير في كتابه "البداية والنهاية"، وغيرهما، يذكرون من هذا أمراً عجباً؛ من ذلك ما ذكروا من أن يزيد بن عبد الملك بعد ما وَلِيَ الخلافة بعد وفاة عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، أراد أن يسير سيرة عمر بن عبد العزيز، فجيء إليه بأُناسٍ –وفي بعض الروايات: بشيخٍ– شهدوا أن الخليفة لا حساب عليه ولا عقاب له، في الشعر: ما الذي جرَى هؤلاء إلى أن يقولوا هذا القول، وأن يخالفوا ما جاء في كتاب الله، وما ثبت في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لولا أنهم علَّقوا الوعيد، وقالوا –كما هو الشائع– بأن الله تعالى إن وعَدَ وَفَّى، وإن توعَّد عفا؟ فإن هذه العقيدة هي التي جرَّتهم على أن يقولوا هذا القول الأَشِر، وأن يركبوا هذا المَركَب الصعب، وأن يُقدِموا على هذا الأمر بهذه الجرأة العجيبة على الله سبحانه وتعالى.
ولا ريب أن من تأمَّل الآيات القرآنية وجد ما يدل على أن هذا كله لا أساس له من الصحة؛ فالله سبحانه وتعالى يقول قاطعاً حبال الأماني عن هذه الأمة لئلا تغتر كما اغترَّ من قبلها: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123]، وهو سبحانه وتعالى أيضاً يؤكد في أكثر من آية بأن الإقدام على المعصية أمر فيه خطر كبير، من ذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: 23]، وكذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يفرِّق بين طائفتين من الناس، ويبيّن أنهم كما افترقوا في المسلك فإنهم يفترقون في الغاية، فقد قال سبحانه: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: 28]، ويقول عز من قائل: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: 35 - 36]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21].
ولكن هذا لا يعني أن رحمة الله سبحانه وتعالى لا تغمر العصاة عندما يرجعون إليه؛ فهم مطالبون بأن يرجعوا إلى الله، وأن يفتحوا صفحةً جديدة، صفحةَ إصلاح ما أفسدوه، وتقويم اعوجاجهم، وتهذيب أخلاقهم، وتقويم سلوكهم، عندما يقع ذلك لا ريب أن الله سبحانه وتعالى يغفر الذنوب، فهو تعالى القائل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ [الزمر: 53 - 55]. فنجد أن الله سبحانه يحث في هذه الآيات عباده على التوبة، ويفتح لهم الأبواب، ويشرح لهم أسباب الرحمة؛ فأسباب الرحمة هي التوبة إلى الله، والرجوع إليه.
ولا يستوي من أصرَّ ومن تاب؛ فإن التوبة انكسار بين يدي الله تعالى، والإصرار هو استكبار على أمر الله، ولا يستوي الانكسار والاستكبار؛ فإن الذين ينكسرون بين يدي الله تعالى يجبر الله تعالى كسرهم، أما الذين يصرُّون ويستكبرون ويتعالَون فإن أولئك لا ريب يلقون جزاءهم عند الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن يستوي هؤلاء وهؤلاء، فلا يستوي التائبون والمُصِرُّون.
ونحن عندما نتأمل كتاب الله سبحانه وتعالى نجد أن رحمة الله تعالى –مع سعتها– إنما هي للمتقين، فقد قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 156]، رحمةُ الله سبحانه وتعالى يكتبها للذين اتقوا، ونجد الوعد في كتاب الله تعالى للمتقين، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: 32]، وقال: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 109]، وقال: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 63]، وبيَّن سبحانه وتعالى بأن الجنة إنما هي لأصحاب القلوب النظيفة، فقد قال عز من قائل: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: 31 - 33]، فالذي يأتي إلى الله تعالى بالقلب المنيب هو الموعود بالجنة.
ونجد أنه سبحانه وتعالى يشرح في كتابه كيف تكون مغفرته، ولمن تكون هذه المغفرة، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: 82]، وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: 25]، أي مغفرةُ الله سبحانه وتعالى إنما هي للأوابين، والأواب هو كثير الأَوْبَة، أي كثير التوبة إلى الله، بحيث يتذكر عندما يقع في أي معصية، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]، فشأن المتقين أن يتذكروا عندما يلمُّ بهم طائفٌ من الشيطان، ويحاول أن يزعزع أقدامهم عن الحق.
والله سبحانه وتعالى أيضاً يبين أن مغفرته ورحمته لمن جاء إليه بقلب سليم، كما جاء في كتابه فيما يذكره عن إبراهيم عليه السلام: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88 - 89]، وأيُّ قلبٍ سليم إنما هو القلب الصافي من آثار المعاصي. فنحن نرى في كتاب الله تعالى ما يدل على خطورة المعاصي عندما يستمر عليها الإنسان؛ فقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 17 - 18].
ونجد حديث النبي صلى الله عليه وسلم يبيّن أن القلب يتأثر بالمعصية، فالقلب المتأثر بالمعصية ليس هو بقلب سليم؛ ففي مسند الإمام أحمد، وفي رواية أصحاب السنن، وفي تفسير ابن جرير من طريق أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ الذَّنْبَ نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ هُوَ نَزَعَ وَتَابَ وَاسْتَغْفَرَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ هُوَ عَادَ زَادَتْ، حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾» [المطففين: 14]. فالمعصية عندما تتراكب على قلب إنسان ترين على هذا القلب.
ولذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يعدُ من جاء بقلب سليم، من أتى ربَّه بقلب سليم، والذي يأتي ربه بقلب سليم إنما هو الذي يأتيه بانكسار القلب، والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، والأَوْبَة إليه، والرغبة فيما لديه، لا الذي يصرُّ. ونحن نرى أن الله تعالى كما وعد الجنةَ للمتقين، ودلَّت على ذلك الآيات الكثيرة من القرآن، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾، وقوله: ﴿قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الفرقان: 15]، وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: 133]، و﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133]، بيَّن من هؤلاء المتقون في آيات كثيرة، من ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 15 - 17]، هؤلاء هم المتقون الذين وُعِدوا هذه الجنة.
وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 133 - 135]، هؤلاء هم المتقون، لا تكون تقوى مع الإصرار على المعصية.
كذلك يبين الله سبحانه وتعالى أن البر والتقوى مترادفان؛ فالبر بمعنى التقوى، والتقوى بمعنى البر، هو تعالى يقول: ﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ﴾ [البقرة: 189]، ويبين صفات الأبرار، ويبين أن هؤلاء الأبرار هم المتقون في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]، نعم، هؤلاء هم الصادقون وهؤلاء هم المتقون.
ولذلك يجب على الإنسان أن يسير على هذا النهج، والذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ثم بعد ذلك يُهوِّن من أمر المنكر بأن الإنسان مهما أتى من منكر فإنه يُغفر له ويُعفى عنه ولو أصرَّ على ما أقدم عليه، يهدم أمرَه بالمعروف ونهيَه عن المنكر؛ فإن الله سبحانه وتعالى يبين أن الذي يتذكر هو الذي يخشى، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَىٰ﴾ [الأعلى: 10]، ويبين سبحانه وتعالى أن الخوف من وعيد الله سبحانه هو الذي يجعل النفس تزجَر عن معاصيه، فقد قال عز وجل: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45]، ومعنى ذلك أن من لا يخاف وعيدَ الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يتذكر بالقرآن.
فهذه الناحية يجب على من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يتفطَّن لها، لا أن يهوِّن أمر المعصية حتى يدفع بالناس إلى الإرجاء، ويجعل الوعيد معلَّقاً؛ فإنهم لو كان الوعيد معلَّقاً كان في ذلك تجرئةٌ للناس على ارتكاب الحرام وفعل المعاصي؛ فإن الادِّكار والخشية والرجوع إلى الله إنما كل ذلك يكون بتأثير خشية وعيده سبحانه وتعالى، والله تعالى المستعان.