⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما الأمر الأول فهو أن نفي الخوف والحزن في الآخرة عن المتقين الأولياء المؤمنين المخلصين العاملين أمر لا خلاف فيه، وهذا هو معنى الرضوان والجزاء بالجنان والمغفرة من الله تبارك وتعالى، وهو أمر متفق عليه.
لكن هل يقتصر معنى هذه الآيات الكريمة على نفي الخوف والحزن عنهم في الآخرة، أو أنه يمكن أن يحمل على نفي الخوف والحزن عنهم في الدنيا؟ والذي يظهر أنه ينبغي التفريق بين الخوف والحزن اللذين هما من المشاعر الإنسانية الفطرية التي جُبلت عليها النفس الإنسانية؛ فهذه لا يسلم منها أحد، لأن من طبيعة البشر أن يصيبها الوجل والحزن الذي لا يخرجها عن طاعة الله تبارك وتعالى، وإنما يأتيها الحزن من الفقد –على سبيل المثال– ومن الآلام والمصاعب التي تصيب بني البشر، وهي من نواميس الله تعالى في هذه الحياة، مما لا علاقة له –من حيث الذات– بأمر الدين نفسه؛ فهذا الجانب لا يسلم منه أحد.
الجانب الآخر المتعلق بنفي الخوف والحزن عن المؤمنين الأتقياء في هذه الحياة الدنيا هو معنى ملحوظ صحيح في هذه الآيات الكريمة، ولا يُقصد به هذا الجانب الفطري البشري، وإنما يُقصد به ما يتعلق بالخوف من الغواية والحزن على فوات الهداية. فهذه السياقات التي ورد فيها نفي الخوف والحزن تدل على هذا المعنى؛ آية البقرة: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾، إذا المحذور الذي يُخشى منه هؤلاء أن لا يكون هناك هدى يتبعونه، ولذلك قال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ويوضح هذا المعنى آية سورة طه: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾؛ إذن الخوف والحزن ناشئان هنا عن الخوف من الضلالة والحزن على أن يكون من أهل الشقاء والعياذ بالله.
ويشهد لهذا أيضًا قوله تعالى في النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، فدل على أن الحياة الطيبة إنما هي في هذه الحياة الدنيا، وإنما مبعث ذلك طمأنينتهم إلى أنهم سائرون على درب الهداية، متجنبون لطرق الغواية والشقاوة، أنهم متمسكون بحبل الله المتين، متبعون لنوره المبين؛ فينفي عنهم ذلك الخوف من أن يكونوا حيارى تائهين يتلمسون سبل الهداية فلا يجدونها، فتطمئن نفوسهم أن معالم الهداية واضحة، ويدركون من أجل ذلك حقيقة هذه الحياة الدنيا، فما كان من أمر هذه الدنيا وفواتها لا يأسفون عليه الأسف والحزن الذي يمكن أن يخرج بهم عن طاعة الله تبارك وتعالى، لأن نفوسهم لا تتعلق بهذه الحياة الدنيا، وإنما يدركون أن السعادة والفلاح إنما هما في الحياة الآخرة.
هذا هو معنى هذه الآيات القرآنية الكريمة، وهذا تحدث عنه طائفة من المفسرين إما تصريحًا وإما تلميحًا، والله تعالى أعلم.