مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

نفي الخوف والحزن

هل نفي الخوف والحزن عن أولياء الله في الآيات يشمل حياتهم الدنيوية أم هو خاص بالآخرة؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد فإن هذه المسألة دقيقة؛ إذ يشكل على كثير من الناس معنى نفي الخوف عن أولياء الله تعالى المتقين، كما هو الشأن في هذه الآية الكريمة أو فيما يظهر من دلالة هذه الآية الكريمة في قوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾. وينبغي لنا أن نفرق بين أمرين: أما الأمر الأول فهو أن نفي الخوف والحزن في الآخرة عن المتقين الأولياء المؤمنين المخلصين العاملين أمر لا خلاف فيه، وهذا هو معنى الرضوان والجزاء بالجنان والمغفرة من الله تبارك وتعالى، وهو أمر متفق عليه. يبقى: هل يقتصر معنى هذه الآيات الكريمة على نفي الخوف والحزن عنهم في الآخرة، أو أنه يمكن أن يحمل على نفي الخوف والحزن عنهم في الدنيا؟ والذي يظهر أنه ينبغي التفريق بين الخوف والحزن اللذين هما من المشاعر الإنسانية الفطرية التي جُبلت عليها النفس الإنسانية، فهذه لا يسلم منها أحد؛ لأن من طبيعة البشر أن يصيبها الوجل والحزن الذي لا يُخرجها عن طاعة الله تبارك وتعالى، وإنما يأتيها الحزن من الفقد –على سبيل المثال– ومن الآلام والمصاعب التي تصيب بني البشر، وهي من نواميس الله تعالى في هذه الحياة، مما لا علاقة له –من حيث الذات– بأمر الدين نفسه، فهذا الجانب لا يسلم منه أحد، وتشهد لهذا أدلة من كتاب الله عز وجل، من نحو ما أصاب يعقوب عليه السلام، فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، وقال أيضاً ربنا تعالى في قصة أم عيسى عليه السلام: ﴿وَلَا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، وقال في قصة أم موسى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾، ثم حكى عنها أيضاً بعد ذلك في نفس السورة: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا﴾، وفي حادثة الهجرة خاطب نبينا صلى الله عليه وسلم صاحبه أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾، وهذه الآيات القرآنية تدل على هذا المعنى: معنى الخوف والحزن الذي يعتري الإنسان بحكم طبيعته البشرية، فهي مشاعر غرسها الله سبحانه وتعالى في نفس هذا الإنسان، وحتى حينما وصف المؤمنين نجد ذلك في الأحزاب: ﴿إِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. لكن الجانب الآخر المتعلق بنفي الخوف والحزن عن المؤمنين الأتقياء في هذه الحياة الدنيا هو معنى ملحوظ صحيح في هذه الآيات الكريمة، ولا يُقصد به هذا الجانب الفطري البشري، وإنما يُقصد به ما يتعلق بالخوف من الغواية والحزن على فوات الهداية؛ فهذه السياقات التي ورد فيها نفي الخوف والحزن تدل على هذا المعنى. آية البقرة: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾، إذن المحذور الذي يُخشى منه هؤلاء أن لا يكون هناك هدى يتبعونه، ولذلك قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ويوضح هذا المعنى آية سورة طه: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، إذن الخوف والحزن ناشئان هنا عن الخوف من الضلالة والحزن على أن يكون من أهل الشقاء –والعياذ بالله–، ولذلك جاء بعد هذه الآية مباشرة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى﴾. ويشهد لهذا أيضاً في كتاب الله عز وجل في النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، ثم قال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فدل على أن الحياة الطيبة إنما هي في هذه الحياة الدنيا، وإنما مبعث ذلك طمأنينتهم إلى أنهم سائرون على درب الهداية، متجنبون لطرق الغواية والشقاوة، أنهم متمسكون بحبل الله المتين متبعون لنوره المبين، فينفي عنهم ذلك الخوف من أن يكونوا حيارى تائهين يتلمسون سبل الهداية فلا يجدونها، فتطمئن نفوسهم أن معالم الهداية واضحة، ويدركون من أجل ذلك حقيقة هذه الحياة الدنيا، فما كان من أمر هذه الدنيا وفواتها فإنهم لا يأسفون عليه الأسف والحزن الذي يمكن أن يخرج بهم عن الله تبارك وتعالى؛ لأن نفوسهم لا تتعلق بهذه الحياة الدنيا، وإنما يدركون أن السعادة والفلاح إنما هما في الحياة الآخرة. هذا هو معنى هذه الآيات القرآنية الكريمة، وهذا تحدث عنه طائفة من المفسرين إما تصريحا وإما تلميحا، والله تعالى أعلم. ... لا، هذا من أسباب هذا، مما يبعث على مزيد من التمسك والإقبال على الله تعالى، ولذلك قلنا بأنه هذا من غير المقصود؛ يعني لا يمكن أن يُنفى إذا كان الحال كذلك، فهذا لا يُنفى؛ لأنه مما يُطلب من المؤمن التقي أن يخشى الله عز وجل وأن يتقيه، وأن يخاف من عذابه، وأن يرجو ثوابه، وأن لا يأمن من مكر الله تبارك وتعالى، كما أنه مأمور أن لا ييأس من روح الله تعالى. هذا يتعلق بذات أسباب الهداية وتجنب الغواية والضلال، لكن ألا يجدوا مثل ذلك أبدا، وأن تكون سبل التوبة والغفران من الزلل عند الوقوع فيه مفتوحة متاحة، فحينئذ يكون الحزن والأسف، لكنهم علموا أن الله سبحانه وتعالى تواب غفور رحيم، وأنه حكيم رحمن رحيم، وهو الذي يهدي السبل، وهو الذي أكرمهم بما أكرمهم به من نعم الهداية والدين وبيان ما عليهم، وبيَّن لهم حقيقة هذه الحياة الدنيا، فتطمئن نفوسهم إلى هذا الجانب، مما يصيب غيرهم ممن فقدوا هذه المعالم وتخبطوا فيها أو أعرضوا عنها، يصيبهم بالكدر والخوف والاضطراب والقلق. ولا نتحدث عن أولئك الذين مُسخت فِطَرهم وتبلدت عقولهم فصاروا كالبهائم العجماوات حتى لا يحتج علينا أحد بأن هناك ممن لا يكترث لأمر آخرته ودينه لكنه يعيش في طمأنينة وسعادة ويفترضون ذلك؛ لا نتحدث عن أمثال هؤلاء، لأن هؤلاء تجردوا من إنسانيتهم وانسلخوا من فطرتهم السليمة، وإنما نتحدث عن عموم أحوال بني البشر الذين لا زالت فيهم بقية من فطرة الله تبارك وتعالى التي فطرهم عليها، والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢‏/١٢‏/٢٠١٨👁 3 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - ليلة 25 ربيع الأول 1440 هـ HD

القرآن الكريم

✦ فتاوى مشابهة

نفي الخوف والحزن

2 👁

هل نفي الخوف والحزن عن أولياء الله في الآيات يشمل حياتهم الدنيوية أم هو خاص بالآخرة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

تعريف صلاة الخوف وكيفياتها

2 👁

ما هي صلاة الخوف وكيفيتها وأقسامها من المواقف والمسايفة وغيرها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

خشية عباد الرحمن من الآخرة

0 👁

ما الذي جعل عباد الرحمن يشفقون من الآخرة ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا مع أنهم مسارعون في الخيرات، وكيف يحقق الإنسان الخشية الحق من الله؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٧‏/٤‏/٢٠٢٤

محاسبة الله على النيات

3 👁

هل يمكن الاستشهاد بقوله تعالى (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) على أن الله يحاسب العبد على نواياه؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٥‏/١‏/٢٠٢٥

كذب الكفار يوم القيامة

2 👁

كيف نوفق بين الآيات التي تنقل إنكار المشركين لشركهم يوم القيامة والآيات التي تنقل اعترافهم بالذنب، وهل يكذبون على الله يوم الحساب؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٧‏/٩‏/٢٠٢٠

معنى الخوف في آية الابتلاء

2 👁

ما المقصود بالخوف في قوله تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع... وهل ذكره أولا له دلالة، وهل يبتلى كل إنسان بكل هذه الأنواع؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠