⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، بل لا بد من التقويم، لكن التقويم وحده لا يكفي.
نحن بحاجة –وأنا هنا أتحدث مما أفهمه من الأدلة الشرعية– فالخطوط العريضة التي رسمها لنا هذا الدين تتطلب أن يكون هذا المقصد واقعًا في النفوس، لا يكفي أن يكون مجرد مبدأ متفقًا عليه، أو أن يكون نظريًّا من المسلَّمات دون أن توجد هذه القناعة في نفوس الناشئة والأجيال والآباء والأمهات والمربين والمعلمين، وكل المؤسسات التي تقوم على شأن التعليم.
لا بد أن توجد هذه القناعة بإجلال العلم وإنزاله المنزلة العالية الرفيعة.
ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18]، ويقول: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، ويقول: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113]، ثم نأتي ونقول نحن أمة «اقرأ»؛ لأن أول ما تلقيناه من وحي الله تبارك وتعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1].
لكن هذه الهيبة للعلم منزوعَةٌ من النفوس؛ كيف سيكون أداؤنا حينئذ؟ إذًا الخطوة الأولى لا بد من إعادة غرس هذا الإجلال للعلم والهيبة له، وأن نُنزله المنزلة اللائقة به.
غرسه يكون بالمبادئ النظرية، وبالقدوات، وبيان أثره، وبيان عواقب التخلي عنه، ثم ألَّا نستسهل ما نبذله في سبيله، وهذه هي الخطوة الثانية التي تُثبت أننا مقتنعون فعلًا بالخطوة الأولى: أن نسترخص الجهد والمال والعرق الذي نبذله في سبيل تحصيل العلوم النافعة؛ لأن بعض الأسر، بعض الآباء والمربين، يقتصر في نظرته إلى التعلُّم والتعليم على أنه مصدر رزق، أو على أنه عادة وعُرف، أو على أنه إلزام من الدولة به، أو أنه وسيلة فقط للانخراط فيما بعد في سوق العمل، وكل التجارب في الدول التي نحَت هذا المنحى ما نهضت بعلومها ومعارفها –للأسف الشديد.
فلا بد من أن نسترخص ما نبذله من جهود وأموال وطاقات في سبيل العلم والتعلم.
أما الخطوة الثالثة، فما كنت قد ذكرته من الوعي العام، الوعي الجمعي، بالأهداف التي نريد أن نصل إليها، وحينئذ فإننا سنبدأ بالخطوات الأولى.
رسول الله صلى الله عليه وسلم انتدب في أول الأمر بعض كُتَّاب الوحي، ثم وسَّع الدائرة إلى أن بدأ بنشر العلم من القراءة والكتابة من الأسس الأولى، حتى في مفاداة أُسارى بدر، وهم كانوا أحوج ما يكونون إلى استرداد أموالهم المغصوبة، ولكن مع ذلك جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من وسائل المفاداة أن يعلِّمَ المشركُ نفرًا من أبناء المسلمين.
ثم أقام الحلقات في مسجده، وخصَّص حلقات للنساء يعلِّمهنَّ فيها، فاعتنى بالعلم والتعليم من خطواته الأولى إلى ما يتعلق بالعلاقات الدولية، ما يتعلق بتعلُّم لغات أمم وحضارات أخرى، ما يتعلق بآداب هذه العلاقات الدولية وكيفية مخاطبة الملوك، ما يتعلق بالطب والدواء والرياضيات والحساب والفلك وغيرها من العلوم والمعارف، حتى جاء الخلفاء الراشدون.
ولذلك كانت الانتعاشة في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه؛ لأنه دوَّن الدواوين، واستقى من الحضارات المجاورة ما يتعلق بإدارة شؤون دولة، من الدواوين ومما تحتاج إليه الدولة في مواردها وكيفية صرف هذه الموارد؛ كل ذلك مما اكتسبه المسلمون واتجهوا إلى تعلُّمه.
إذًا في هذا الشأن اختصارًا نقول: نعم، لا بد من وعيٍ جمعيٍّ يدفعنا إلى تحقيق ذلك الطموح الذي نريد أن نصل إليه، ولهذا تتفاوت الحضارات والأمم والشعوب؛ فإنها في جانبها النظرية تتفق –كما تفضلتم– لكنها في التزامها وسعيها إلى تحقيق آمالها وإلى بلوغ مطامحِها تتفاوت؛ ولذلك لا بد من هذا الالتزام بالوصول إلى الغاية ببذل ما نحتاج إليه، وبعد ذلك تأتي مراجعة ما حققناه؛ التقويم جزءٌ –وإن نَفَرَت منه بعض الدوائر– وهذا لا يقتصر على المدارس، بل المعاهد والكليات والتعليم ما بعد الجامعي والتعليم المستمر، كلها بحاجة إلى معايير علمية أيضًا نقيس بها الأداء، ثم ننظر فيها: فيما حققناه من نتائج، وكيف يمكن لنا أن نتغلب على الصعوبات.