⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أحسنتم، هذا الجانب – جانب التعبد – لا يمكن إهماله؛ فنحن مأمورون بالانقياد لأمر الله تبارك وتعالى.
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، و﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾؛ فهذا جانب التسليم المطلق لأمر الله تبارك وتعالى هو جزء من الإيمان لا انفكاك عنه.
وبعض الأحيان قد تظهر لنا العلة التي من أجلها شُرع الحكم الشرعي، ولذلك نجد قاعدة: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، لكننا نجد عند عدد من الباحثين اليوم أنهم يخلطون بين العلة والحِكمة؛ فالحكمة هي غير العلة؛ الحكمة هي ما يظهر من منافع ومقاصد لنا، يمكن أن يظهر بعضها، يمكن أن لا يظهر شيءٌ منها، يمكن أن يظهر أغلبها، لكن الحكم غير معلّق بهذه الحكمة.
فهناك طرق لاستنباط – لبيان العلة – لذلك الحكم؛ فهذه الطرق قد تكون طرقًا نصية لفظية، وقد تكون غير نصية، قد تكون بالاستنباط كما يُعرف في علم الأصول.
أما الحكمة فهي محاولة لاستنطاق هذه الأحكام الشرعية لمعرفة ما تجلبه من مصالح للفرد والجماعة، أو ما تدفعه من مضار؛ ولذلك – وهذا باب واسع – هل المقصود بذلك المصالح والمضار المادية المحسوسة، أو يُقصد من ذلك أيضًا ما يتعلق بالجوانب الإيمانية والنفسية والروحية؟ ولا ينبغي أن تُقصَر على المنافع المادية المحسوسة فقط.
فمن أجل ذلك، جانب التعبد سُمِّي في تقسيم أنواع العبادات إلى التعبد المحض الذي لا تُدرك حكمته؛ يقال: عبادات غير معقولة المعنى، وهذا هو مقصودهم، حتى أيضًا لا تُشكل على المتلقي.
والعبادات – لا سيما فيما يتعلق بالمعاملات المالية – لأن مبدأ العدل والإنصاف ونفي الفساد عن الفرد وعن المجتمع – وهذه قضية بالغة الأهمية أيضًا في الدراسات – لأن هناك وجوه فساد مجتمعية، وكانت دعوة الأنبياء والرسل كما تعالج إصلاح الفرد تدعو إلى أنواع من إصلاح المجتمع، لا يتأتى حصول صلاح الفرد إلا بإصلاح المجتمع؛ ولذلك كانوا يخاطبون أقوامهم – عليهم صلوات الله وسلامه – بإصلاح عموم الأوضاع المجتمعية حتى يسهل بعد ذلك صلاح الفرد، وهذا مجال واسع لابد أيضًا أن يُدرس.
فالمصالح التي في العبادات معقولة المعنى لا تقتصر على المصالح والمضار الحسية المادية فقط؛ لأن منها ما يتعلق بالتزكية – تزكية الأنفس – منها ما يتعلق بتهذيب الأخلاق، منها ما يتعلق بالجوانب المعنوية لكشف طبيعة هذا الإنسان، أو لإظهار، لإجلاء ما يختلف به هذا الإنسان المكرَّم، وبيان وجوه هذا التكريم، وبيان أسباب اصطفائه واختياره لحمل الأمانة ولأن يكون خليفة في الأرض، فلا تقتصر على الجوانب المادية منها فقط.
إذًا هناك نوعان: عبادات معقولة المعنى – وغالب المعاملات المالية تدور حول هذه المعاني من معاني العدل والقسط ونفي الظلم والاستغلال، وإحداث إصلاح اجتماعي عام، وتحقيق تكافل اجتماعي، والتمكُّن من تحقيق التكافل الاجتماعي الذي يسمح بالبناء والتعمير، ونفي الأسباب التي يمكن أن تهدم هذا المجتمع أو تقوِّض أركانه – كما أن هناك في المقابل عبادات غير معقولة المعنى؛ هذه العبادات يجب على المسلم أن ينقاد لها وأن يطيع ربه تبارك وتعالى فيها، أدرك حكمتها أو لم يدرك، عرف علتها أو لم يعرف، وعليه أن يسلِّم وينقاد.
جانب هذا لن يخلو منه، وجانب الإيمان لابد أن نفهم هذا الشيء؛ لأن بعض الناس يعرض الدين بما فيه من أحكام وتشريعات على مِجهر العلل والحِكَم؛ فما ظهرت له حكمته أو علته – في زعمه – فإنه يتبعه، وما لم تظهر فإنه يُعرض عنه، وهذا يتعارض مع معنى الدين نفسه، ويتعارض مع معنى الإسلام ومع معنى الإيمان.
والله تعالى أعلم.