⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
النظر الواقعي في هذه القضية يستدعي أن تكون للمسلمين مرجعية علمية تمثلهم لدى الجهات المعنية في البلدان التي يكونون فيها مواطنون؛ لا لأنهم يسعون إلى إنشاء كيانات منفصلة منبتَّة عن واقع هذه البلدان ومقتضيات المواطنة، وإنما لأن لهم خصوصيات دينية ينبغي أن تُرعى.
فإذا كانت هذه البلدان تكفل حرية التديُّن، وتكفل ممارسة الأفراد المواطنين فيها لمعتقداتهم، فإن جملة من الأحكام الشرعية الملزِمة للمسلمين – ذكورًا وإناثًا – لا يسعهم إلا الالتزام بها، وبناءً على ذلك فلابد من وجود جهة تمثلهم، وأولى هذه الجهات أن تكون مؤهَّلة تأهيلًا علميًّا صحيحًا، تستطيع الحوار مع هذه السلطات لأجل حفظ حقوق المسلمين في ممارسة معتقداتهم، وممارسة مقتضيات دينهم، وهم مواطنون في تلك البلدان.
وأقول هذا؛ لأنني رأيت الواقع. خذ على سبيل المثال من أبسط قضايا الأحوال الشخصية: لو أن خلافًا دار بين امرأة وزوجها، كلاهما مسلم، فلم يسد هذا الخلاف بينهما بالطرق السلمية، فوصل الأمر إلى محكمة مدنية في البلد الذي يعيشون فيه، فحكمت بالتفريق، فامتنع الزوج من التطليق، وامتنع من الاعتراف بهذا التفريق، فما هو الحال بالنسبة للمرأة؟
فهذه قضية بسيطة تظهر – يعني – يومًا بعد يوم لدى المسلمين في هذه المجتمعات الغربية. فلما انعدمت الجهة المرجعية علميًّا، المرجعية العلمية التي يستندون إليها، والتي يمكن لها أن تسد هذه الفجوات في النظام التشريعي في هذه البلدان، فإن النتيجة كانت أنهم يظلون حيارى، يأخذ ذو النفوس الضعيفة من مزايا هذه الأنظمة في البلدان التي يعيشون فيها ما يوافق أهواءهم، وينبذون – بدعوى أنها تتعارض مع الدين – ما يخالف أهواءهم.
فلذلك لابد من وجود مرجعيات مؤهلة علميًّا تمثل المسلمين، تطرح قضاياهم، تسعى إلى الوصول إلى حقوقهم، تحفظ وتصون لهم هويتهم؛ لأننا نتحدث عن ملايين اليوم، نتحدث عن ملايين من المسلمين في العالم الغربي، في أوروبا وفي الأمريكيتين، عشرات الملايين، وأصبحوا جزءًا مكوِّنًا لواقع هذه الأوطان، لهم أيضًا إنجازاتهم، ولهم مشاركاتهم في بناء هذه الأوطان…
فهذا الواقع يحتم على المسلمين أن ينشئوا مرجعيات علمية… لا ينبغي أن يكون اختلافهم المذهبي سببًا في تفويت حصولهم على هذه الفرصة، وحصولهم – ولو على الحد الأدنى – مما يحفظ لهم هويتهم، ويمكنهم من ممارسة دينهم، وإلا ظل الحال هكذا…
على أنه ينبغي ملاحظة أن هذه التحديات التي تواجه المسلمين اليوم في الحقيقة هي تحديات جديدة، هي خارج إطار الاختلاف المذهبي تمامًا؛ تتعلق بأصل الانتساب إلى الإسلام نفسه، تتعلق بحفظ أجيالهم… وتمكين هؤلاء من فهم دينهم، ومن القدرة على الاندماج الإيجابي الصحيح الذي يأخذون فيه ما في هذه البلدان من محاسن ومزايا، ولا يتخلون فيه عن دينهم، وعن قيمهم ومبادئهم وثوابتهم. لا بد لهم من ذلك، وإلا خسروا أولادهم جيلًا بعد جيل، والله المستعان.