⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ذكر الشيخ أن هذه القضية مما دار فيه الخلاف بين الفقهاء، وخلاصة أقوالهم تدور حول جملة من الأقوال:
الأول: وهو لطائفة كبيرة من الفقهاء، أنه لا يلزمها خدمة زوجها في بيتها، وإنما الأولى لها ذلك؛ فهؤلاء لا يقولون بالوجوب الشرعي، وإنما يقولون بأن ذلك أولى في حقها.
القول الثاني: أن ذلك واجب عليها، وهذا القول قال به طائفة من الأحناف.
القول الثالث: أنه يلزمها ديانة لا قضاء؛ فهي بينها وبين ربها تبارك وتعالى يلزمها ذلك، لكنها لا يمكن أن تُلزم حكما قضائيا به؛ فليس للرجل –على سبيل المثال– أن يشتكي امرأته أو أن يرفع أمرها إلى القضاء لأنها لا تقوم بخدمته، ففي هذه الحالة لن تُلزم.
وهناك من الأقوال ما يفصل، فيقول بأن مردَّ ذلك إلى العرف، ويُراعى في العرف حال المرأة ووضعها؛ إن كانت من أشراف النساء التي لا تخدم غيرَها فيراعى هذا الأمر، أو إن كانت ضعيفة فإن ذلك يراعى أيضا، على خلاف التي كان العرف يقتضي أن تقوم بخدمة زوجها وبيتها؛ فإن العادة مُحكَّمة.
ثم بيّن أن هذه الأقوال أقوال نظرية، يتولد عليها دليل يكاد يكون الإجماع العملي منعقدا –حتى لدى هؤلاء الأئمة الذين يقولون هذه الأقوال– عبر تاريخ المسلمين، ويكاد يكون في واقع الإنسانية عموما، على أن على المرأة خدمة زوجها وبيتها بالمعروف؛ لا نتحدث عما هو من سوء الفهم والخطأ في الفعل الذي يكلِّف المرأة ما لا تستطيع، ويلزمها بما لا يلزمها، ويبالغ في هذا الاتجاه، وإنما عن عموم صنيع أهل الإسلام عبر تاريخهم: أن على المرأة أن تقوم بأعمال البيت، وعلى الرجل أن يقوم بأعباء اكتساب الرزق والنفقة والسكنى وغير ذلك.
واستظهر الشيخ القول بلزوم خدمة المرأة لبيتها بالمعروف، مستندا إلى ما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فذكر رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فصَل فيها بين ابنته فاطمة رضوان الله تعالى عليها وبين زوجها علي بن أبي طالب، فلما اشتكيا إليه ألزم فاطمة بالخدمة الباطنة –أي داخل البيت– وألزم عليا بالخدمة الظاهرة –أي خارج البيت– فما يتعلق بالكنس والطبخ والخبز وغيرها من الأعمال داخل البيت هي من أعمال المرأة، وما يتعلق بأعمال الكسب وتهيئة السكنى والنفقة وغيرها هي من أعمال الرجل.
وذكر شكوى فاطمة رضي الله عنها من جهد العمل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُرشدها إلى أن ذلك لا يلزمها، ولم يقل لابن عمه إن ذلك لا يلزمها، وإنما أرشدهما إلى ذكر الله تعالى بالتسبيح والتحميد والتكبير.
وكذلك الحال في قصة أسماء –وكانت تحت الزبير– فكانت تشتكي من كثرة العمل وخدمة الفرس، ومع ذلك كانت تقوم بخدمته، وهكذا النساء الصحابيات من المهاجرات والأنصار؛ كن يخدمن أزواجهن ويعانين من ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الرفق، ويدعو إلى اقتسام الأعمال؛ كان الرجل يشارك أهل بيته كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن ذلك لا على سبيل الإلزام عليه فيما يتعلق بالخدمة الباطنة، وإنما من باب حُسن العشرة، ومن باب الرفق بالمرأة والتعاون.
ثم لخَّص فقال: إن القول بلزوم خدمة المرأة لبيتها بالمعروف، وبما تستطيعه، مع مراعاة –كما يقول طائفة من الفقهاء، وخير من لخَّص هذا ابن تيمية– ما يتعلق بمنزلة المرأة وحالها؛ حتى لا يتسلط الرجال أيضا، وأنه في مقابل ما أُلزم به الرجال من النفقة والسكنى والقِوامة والقيام بشأن الأسرة؛ فإن القول بلزوم الخدمة هو الأظهر، استنادا إلى هذه الآثار وإلى ما تقدم من أمر الإجماع العملي على هذا الفعل.
ثم وسّع الكلام فبيّن أن إدارة الأسرة وحفظ أوَدها والقيام بشأنها مع مسؤولية التربية ليست من هوامش الأعمال في هذا الدين، وأن عمل المرأة في بيتها ورعايتها للأسرة أمانة عظيمة يترتب عليها قوام المجتمع وصلاح الأجيال؛ فقيامها بالأمومة وتربية الأولاد هي الأعمال المتصدرة لأولويات المرأة في الإسلام، مما يعني أن غيرها سيكون من الهوامش، وأنها ليست مسؤولة عن اكتساب الرزق ولا عن الإنفاق على نفسها ولا على غيرها، بل هي المُكرَّمة التي يُنفق عليها وتُصان وتُراعى مكانتها.
وفي المقابل لا يعني هذا أن يتسلط الرجال ويستبدوا؛ فالقِوامة تكليف وليست مزيّة، هي عبء تكليفي أُلزم به الرجال، ليُحسنوا رعاية هذه الأمانة، ويُوفوا الحقوق لأهلها من أجل أن تنشأ الأسرة والأجيال على صلاح وخير واستقامة، وأن تُحصن من الشبهات ووسائل الغواية والضلال في حاضرها ومستقبلها.
والله تعالى أعلم.