⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فإن علاج أي مشكلة لا يمكن أن يتحقق إلا باكتمال منظومة التشريع والقضاء ثم التنفيذ. فكل السلطات، ثلاثًا كانت أو أربعًا أو خمسًا، مطلوب منها أن تتكامل جهودها في منع الفساد والإفساد عن الأرض؛ لأن الله تبارك وتعالى أمر بذلك في محكم كتابه حينما قال: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]، ونعى على أولئك الذين ينشرون الفساد في الأرض فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾.
ونجد أن طائفة كثيرة من فقهاء الإسلام حينما تحدثوا عما نعرفه نحن اليوم بصور مندرجة في موضوع الاتجار بالبشر فإنهم أدرجوها ضمن قضايا الحرابة، وهذا يعني أن عقوبتها هي من أغلظ العقوبات. فبيع الحر وأكل ثمنه، ونشر الفساد في الأرض –سواء كان فسادًا يتعلق بالأعراض أو الأنفس أو الأموال– كل هذه ما لم تندرج في عقوبة منصوص عليها خاصة بها، فإن طائفة كثيرة من الفقهاء أدخلوها في حد الحرابة، أي في عقوبة الحرابة، وهي من أغلظ العقوبات، وهي متدرجة بحسب الجرم الذي يرتكبه الإنسان.
ومما لابد من التنبه له أن الكثير ممن هم داخلون في قضايا الاتجار بالبشر هم ضحايا، فتُسلَّط الأنظار إلى هؤلاء الضحايا دون المجرمين الذين قاموا باستغلالهم وبالمتاجرة الموجودة في عالمنا المعاصر. وديننا الحنيف ينظر إلى من وقع تحت الإكراه أو الجبر أو التغرير أو شيء مما يسلب عنه حريته وهو غير قادر على دفعه، ينظر إليه على أنه ضحية طالما أنه واقع تحت تأثير سلطة إكراه، فإنه حينئذٍ يكون ضحية ويكون الجرم على من أفضى به إلى ذلك أو إلى تلك الحالة.
ولذلك فإنه لا يتأتى علاج هذه الظاهرة إلا باكتمال هذه الأركان. نحن لو نظرنا في هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نجد أنه وجه الخطاب إلى عموم هذه السلطات الموجودة في المجتمع استهداءً لا شك بالهدي القرآني؛ ربنا جل وعلا حينما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، فربط بين أداء الأمانات وبين أمره جل وعلا بالحكم بين الناس بالعدل، ثم جاء في الآية التي بعدها مباشرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، وكأن هذه –أي طاعة أولي الأمر– لا تتحقق إلا بأداء الأمانات إلى أهلها وبالحكم بين الناس بالعدل.
ولذلك فإن استئصال شأفة الفساد، ومنع هؤلاء المجرمين من الإفساد في الأرض ومن استغلال حاجة المعوزين وذوي الفاقة والجهلة المغرَّر بهم، لا يتحقق إلا بالإغلاق بالعقوبة على أمثال هؤلاء المجرمين، مع نُصرة الضحايا والوقوف معهم وفتح أبواب التوبة لهم واستلال ما علق من نفوسهم من آثار ما أُوقعوا فيه، وانتشالهم لا ريب مما وقعوا فيه؛ سواء كان فيما يتعلق باسترقاق هذا الإنسان وسلب حريته، أو كان في الاستغلال الجنسي للرجال أو للنساء، أو كان في حقوق العمال، أو في حقوق الأطفال، أو في الاتجار بالأعضاء.
في كل هذه القضايا التي تندرج –كما تقدم– في موضوع الاتجار بالبشر لا يتحقق بلوغ معالجة هذه المشكلات والقضاء على هذه الظاهرة إلا باكتمال كل هذه السلطات. ولما قلت: إنه لا يقتصر على السلطات المعروفة، السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإنما يمتد ليشمل السلطة الرابعة، وما وراءها أيضًا من سلطات، بالإضافة إلى الرقابة الشعبية من الناس؛ لأن لهم هذا الحق، لهم حق أن يراقبوا أداء ذوي الأمانات والمسؤوليات أيًّا كان نوعها، وأن يرفعوا إلى ولي الأمر ما يلحظه مما فيه نُصح لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولعامَّة المسلمين وخاصَّتهم وأئمة المسلمين وعامَّتهم.