⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا: لا يبدو أن هذا الذي اعتراه هو من التعلق بالدنيا؛ لأن الإنسان من طبعه –مهما علت منزلته– يُصيبه الهم والحزن، ويأتيه الضيق والكَرْب، وهذا ما سَلِم منه أحد؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُصيبه الحزن الشديد مما يُصيب أصحابه، صحيح أن همَّه وحزنه –عليه الصلاة والسلام– إنما كان فيما يتعلق بالدعوة إلى الله تبارك وتعالى وإيصال رسالة الحق إلى الخلق، لكن ما يحصل في بيته ومع أمهات المؤمنين أزواجه رضوان الله تعالى عليهن كان يُؤثِّر فيه أيضًا، كان يُشغله، وكذا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
التعلق المذموم بالدنيا هو أن تنصرف همَّه هذا الإنسان، وأن يتجه قلبه إلى جمع حُطامها والتكثُّر منها والمغالبة عليها، دون التفات إلى حقوق الله عز وجل عليه ولا إلى حقوق الناس عليه؛ فلا يُبالي من أين يكتسب المال وفيما يُنفقه، ولا يُبالي بشيء من الأحكام الشرعية ولا بالأخلاق والقِيم التي تضبط له حركته في هذه الحياة؛ هذا هو التعلق المذموم.
أما أن يشتغل قلب الإنسان بالدَّيْن الذي عليه، وبتوتُّر العلاقة بينه وبين ذوي قرابته ورَحِمه، وبأوضاع أحوال أُسرته، فإن ذلك أمر فِطري في هذا الإنسان؛ نحن نجد يعقوب عليه السلام حَزِن لفراق وَلَدِه يوسف ثم ولده الآخر، وحتى ﴿ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84]، ونجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حادثة الهجرة يخاطب أبا بكر الصديق –وهو في إيمانه مَن هو–: «لا تَحْزَنْ إن الله معنا»؛ لأنه رأى عليه همومًا وأحزانًا، فيقول له: لا تحزن إن الله معنا.
لكن لا ينبغي للمسلم أن ينصرف وأن يُسلِّم نفسه لهذه الهموم والأحزان؛ عليه أولًا أن يرضى بقضاء الله تبارك وتعالى، وأن يتعلَّق قلبه بالآخرة، فكل ما قدَّره الله عز وجل كائن.
ثم مع هذه المعاني القلبية عليه أن يسعى –قدر استطاعته– فيُصلح ما بينه وبين ربه جل وعلا أولًا، ويُصلح ما بينه وبين الناس قدر استطاعته؛ يصل مَن قطعهم من أرحامه، إذا كان الخطأ منه فإنه يسعى إلى بيان الحق لهم، وإلى إرشادهم إلى الهدى وتذكيرهم ونصحهم ومواساتهم بالحق والصبر، وأن يُصلح هذا الحال ولو بشيء من الإيثار وتقديم شيء من التنازلات؛ فلا يكتفي فقط بأن يرضى، لكنه ينعزل عن إصلاح الحال.
لأن فساد ذات البين –كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم– هي الحالقة: «لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»؛ فإذا استبدَّت بالإنسان هذه الهموم والأحزان، ولم يجد لها سُلوانًا، ولم يدفعها عن نفسه، ولم يسعَ إلى إصلاح أوضاعه إلى ما هو أفضل، مما فيه مرضاة الله تبارك وتعالى وفيه طُمأنينة نفسه، فإنها يمكن أن تُبعِده عن الصراط المستقيم، وأن تُسْلِمَه إلى الشيطان وإلى الوساوس؛ فليحذر ولينتبه.
… وإذا كان في ضيق ذات يد فليسعَ إلى أن يجد موارد أُخرى للرزق، وأن يعمل أكثر.