⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا: هي شبهة واهية ضعيفة، ولعل أرباب هذه الشبهة لم يطلعوا على أن أرباب هذه الشبهة قد تركوها إلى غيرها، إلى ما هو أضعف منها، وأبعد منها، للأسف الشديد أكثر انحطاطًا منها؛ قد تركوها وانتقلوا إلى شيء آخر؛ ولا يبعد أن يكون السبب أنهم لم يجدوا صدى ولا قبولًا عند ملايين المسلمين الذين لا يأخذون من أمثال هؤلاء.
فنقول لهم: ينبغي أن تجددوا معلوماتكم؛ فهذا الطرح قد تُرك منذ أكثر من عشر سنوات، الآن هذه الشبهة وهذه القضايا قد تُركت وانتقلوا إلى غيرها؛ لأنهم ما وجدوا صدى ولا قبولًا فيها.
ثانيًا: هذا الكلام فيه من التناقض الظاهر ما لا يخفى؛ تبارك وتعالى قد أمرنا في كتابه الكريم بطاعة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونجد هذا في سياق حديث القرآن الكريم عن طاعة الله عز وجل؛ يقول ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، فالخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قل، يخاطب قومه: إن كنتم تحبون الله، فالمطلوب إثباته هو أن يثبتوا أنهم يحبون الله تعالى، فجاء دليل الإثبات: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾، أي اتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، ولم تقل الآية: فاتبعوا الله أو فاتبعوه، قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني، لتكون النتيجة محبة الله تعالى للعباد.
والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾، ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، لم يقل هنا مشاقة الله عز وجل، وإنما قال: ومن يشاقق الرسول؛ لأنه لو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم آتيًا إلا بما اشتمل عليه القرآن، فإنه لا فائدة في أن تُسند المشاقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مبلغ مبين، وإنما الأصل أن تكون المشاقة للأمر الناهي، لربنا جل وعلا، لكن الآية قالت: من بعد ما تبين له الهدى، ثم أضافت قيدًا آخر: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، ما فائدة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سياق الأمر بالاستجابة لأوامر الله تعالى إذا كان لا معنى لها؟ لأنه إذا كانت طاعته من طاعة الله عز وجل فما كان هناك من داعٍ إلى أن يُذكر الاستجابة للرسول.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، لم يقل: بين المرء وعقله؛ ولذلك فإن الإنسان حينما يطغى ويتكبر أو حينما يصيبه الغرور، فإنه يُؤتى من قِبل هذه الآفات القلبية النفسية.
أما تفصيلًا، أما فيما يتعلق بهذا من حيث التأصيل، بمعنى هذا الاحتجاج أنه لا يوجد في كتاب الله عز وجل، هو موجود في كتاب الله عز وجل؛ موجود؛ لأن الله تعالى أمرنا باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالاستجابة لأوامره، ونهانا عن مشاقته.
أما الأدلة في ذات المسألة، فإننا نجد جملة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما عند الإمام الربيع، وعند البخاري، وعند مسلم، وعند أصحاب السنن؛ والحديث ورد من روايات عديدة من طريق السيدة عائشة رضي الله عنها، وروايات عديدة من طريق السيدة عائشة عن فاطمة بنت أبي حبيش.
الحاصل: في حديث فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي». وورد الحديث بألفاظ متشابهة كما تقدم عند الشيخين البخاري ومسلم وأبي داود والطيالسي والطبراني والنسائي والترمذي.
ثم أيضًا جاء حديث آخر حينما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ناقصات عقل ودين»، فقلن: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «أليست إحداكن إذا حاضت تدع الصلاة والصيام؟» فهذا الحديث أيضًا ورد بألفاظ عديدة متقاربة، فيها بيان أن المرأة إذا أتاها الحيض فإنها تترك الصلاة وتترك الصيام.
وهذا الأمر كان شائعًا؛ حديث فاطمة بنت أبي حبيش: كان أصابها نزيف، ما يُعرَب بالاستحاضة؛ ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إنما ذلك دم عِرْقٍ ينزف، فلا تترك الصلاة»، فإذا أدبرت فتوضئي؛ حتى لا يُحتج ببعض الروايات التي فيها طَسْت ونزيف؛ هذه استحاضة دم عِرْقٍ ينزف، لا تُبنى عليه أحكام شرعية.
فإذن هذه هي الأدلة التفصيلية، وقد أجمعت الأمة، ونص على هذا الإجماع عدد لا يُحصى من علماء الإسلام من مختلف المذاهب الإسلامية، من دون مخالف؛ أجمعوا دون مخالف على أن المرأة إذا أتاها حيضها فإنها تترك الصلاة والصيام، فإذا ذهبت حيضتها وطهرت فإنها تغتسل وتعود إلى عباداتها، فتقضي الصيام ولا تقضي الصلاة.
وقد بحث العلماء في العلة أو الحكمة من وراء قضائها للصيام دون الصلاة، لكن الأصل أن هذا أمر تعبدي توقيفي؛ قد تظهر لنا بعض حكمه وأسراره وقد لا تظهر، لكنهم ذكروا جملة من الحكم، وهي غير خفية.
وعلى هذا سارت ملايين النساء من المسلمين عبر عصورهم، 1400 سنة إلى الآن؛ فيُقال لهؤلاء: ابحثوا عن شبهة أخرى، لعلها تكون أقوى قليلًا.
لكن من باب النصح نقول: أمعنوا النظر فيما تقدم من أدلة، وعودوا إلى كتاب ربكم جل وعلا، وخذوا بالهدي الراشدي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن مخالفة هديه والبعد عن اتباعه في حقيقتها -كما نص كتاب الله عز وجل- إنما هي دليل البعد عن الله عز وجل، وهي دليل عدم طاعة الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذا اتباع لغير سبيل المؤمنين، وهي مشاقة واضحة لهدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذه الجملة لنختم بها: هذه الأحاديث الثابتة وغيرها -يعني أنا اختصرت على بعضها، وإلا وردت في الحج أيضًا في حديث السيدة عائشة؛ وردت في الحج أن تأتي بأفعال الحج إلا الطواف، نعم، وردت في الحج كما ورد في الصيام، وورد في الزكاة.
أما هذه التبريرات أو محاولة اتهام هذه الشريعة؛ شريعة حنيفية سمحاء؛ دلت أيضًا السنة على أن المرأة ليست بنجس، وأن بدنها طاهر، وأنها لا يختلف حكمها إلا فيما دل عليه الدليل الشرعي؛ وإلا فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل مع نسائه وهن في حالة الحيض من إناء واحد، وكان يبيت معهن تحت لحاف واحد وفي فراش واحد، وقال: «وليست حيضتك في يدك»، وتأتي النساء بما تأتي به فلا إشكال.
لا يُعترض، بل ورد فيما يتعلق بالمباشرة دون الوطء بإباحة الاستمتاع في غير الوطء، وردت أيضًا أدلة كثيرة؛ فلا يقال: لا، هذا من اليهود؛ لا، هذه من دعاوى اليهود؛ اتباع هذا الكلام هو من دعاوى اليهود.
أما أن يأتي ويحاول أن يُلبِّس على عموم المسلمين بأن هذا من بقايا اليهود؛ لا، هذا ليس من بقايا اليهود، هذا الذي يصنعونه هم هو من دعاوى اليهود اليوم؛ فليحذروا هذه الفتنة، وليتقوا الله تعالى في أنفسهم وفي أهلهم.
جميل.