⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن موضوع رعاية البيئة في الإسلام من المواضيع التي كثر فيها الحديث في الآونة الأخيرة، فقد كتب الكاتبون، ونظر الفقهاء وعلماء الشريعة، وتحدّث المفكرون، يعرضون فيها منهج الإسلام وفقهه وأحكامه المتعلقة بالبيئة: صيانةً ومحافظةً ورعايةً على مكوّناتها، وعلى العلاقات فيما بين هذه المكونات، وفي صدارتها لا شك صلة الإنسان بمكونات هذه البيئة.
وذلك نابع من كون دين الله تبارك وتعالى منهج حياة يبصِّر هذا الإنسان بحقيقة وجوده في هذه الحياة، وبالأمانة التي حُمِّل إياها ليؤديها، وهي أمانة التكليف دون غيره ممن خلق الله تبارك وتعالى، حتى يلاقي ربه في الآخرة فيحاسبه على ما قدّم في أمر هذه الأمانة وفيما كُلِّف به في هذه الحياة.
الله تبارك وتعالى عندما أذِن لملائكته بخلق هذا الإنسان بيّن لهم ما الذي سِيناط بهذا الإنسان من رسالة ووظيفة في هذه الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وكان استفسار الملائكة، وكان تعجُّب الملائكة بذكرهم لأسوأ خصال هذا الإنسان التي يمكن أن تصدر عنه، فقالوا كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾، ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، فقد قدّموا أن من شأن هذا الإنسان الذي سيجعله الله تبارك وتعالى خليفة في الأرض أن يفسد في الأرض، وذكروا هذه الخصلة عنه، ثم قالوا: إنهم يسفكون الدماء، وفي مقابل ذلك ذكروا من صفاتهم أشرفها وأعلاها فقالوا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. وكان الذي يقابل الإفساد في الأرض وسفك الدماء التسبيح والتقديس لله تبارك وتعالى وتنزيهه والعبودية له جل وعلا.
وهذا دليل واضح على أن هذا الإنسان الذي هو محور هذه الحياة، والذي ناط عز وجل به هذه الأمانة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، وهي أمانة التكليف التي تشمل عبادة الله تبارك وتعالى وعمارة هذه الأرض.
نعم، وعمارتها تعني بنائها، وتشييد صروحها، ونشر الصلاح فيها، ونفي الفساد عنها، وإصلاح الفاسد منها، إضافةً إلى كون الأمانة تشمل أيضًا تزكية هذه النفوس وتهذيبها بالأخلاق الفاضلة والقيم المحمودة الرفيعة، وكلها مجتمعةً، أي ما تنطوي عليه هذه الأمانة من هذه المعاني والدلالات، تحقق محورية وجود الإنسان في هذه الحياة، ومحورية رسالته فيها، وأن الله عز وجل حتى يتمكَّن من الاضطلاع بهذه الأمانة ... حتى نختصر الموضوع، فإن هذا الفهم، أو هذا التصوُّر هو الذي تنبثق منه حركة الإنسان في هذه الحياة في هذا الدين الحنيف.
نعم، لأن الأصل الذي يبني عليه المسلم حركته وسيره في هذه الحياة إنما يقوم على إيمانه بالله تبارك وتعالى، ثم إنه عبد مكلَّف مأمور بالعبودية الحقّة التامة المطلقة له سبحانه وتعالى، وهذا يعني أن يحقِّق ما أمره به ربُّه جل وعلا في هذه الحياة.
ولذلك فإن هذا الدين هو الذي بيّن له صلته ... بعد تعزيز هذا الجانب الإيماني وتصحيح هذه النظرة، وبعد إرساء المنهج الذي يسير عليه هذا الإنسان في هذه الحياة، فإن حركة الإنسان وتعامل هذا الإنسان مع مفردات الوجود من حوله إنما هي انعكاس لذلك كله، فهي انعكاس لإيمانه بالله تبارك وتعالى، ولتسليمه المطلق لشرع الله تبارك وتعالى، وتسليمه أنه المنهج المتوازن الذي يحقق له الصلاح والخير والهدى والرشاد في هذه الحياة الدنيا، وأنه أيضًا ينبوع الأخلاق الفاضلة التي ترسم له شخصيته ومعالم هويته الإنسانية التي يتعامل بها مع مفردات هذه الحياة ومع بني جنسه في هذه البيئة وهذا المحيط الذي يكون فيه.
هذا الإنسان يأتي تبعًا لذلك أن نصيبًا وافرًا من تشريع الله عز وجل الذي رمى إلى إصلاح هذا الإنسان، هذا النصيب الوافر يتناول أيضًا صلة هذا الإنسان بمكونات هذه الحياة من حوله، بمفردات الوجود من حوله، من موارد طبيعية، ومن مخلوقات أرض الله تبارك وتعالى، ومن كل ما سُخِّر لهذا الإنسان في البر والبحر، وفي السماء والأرض وباطنها.
فكل ذلك إنما نال نصيبًا وافرًا من تشريع الله تبارك وتعالى في دينه الحنيف، الذي تنبثق منه بعد ذلك ما يتصل برعاية البيئة، فهي جزء أصيل من شرع الله تبارك وتعالى الذي قصد به هذا الإنسان، لكن أثره يعود على الإنسان نفسه، على بني البشر جميعًا، كما يعود على الحياة نفسها، ويعود على مكوّنات هذه الحياة ومفرداتها الخيرَ والصلاحَ ونفيَ الفساد عنها، وتحقيقَ ما يجلب للإنسان الخيرَ والمصلحةَ ويَدْرَأ عنه الشرَّ والفساد.