⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
شرع الله تبارك وتعالى يحقِّق الصلاح للإنسان وللكون بأسره، نعم؛ فما من ذرّة في هذه الحياة إلا وهي مغمورة برحمة الله تبارك وتعالى وفضله، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، ولو لم يكن من أثر التشريعات التي تتناول صلة الإنسان بالبيئة من حوله، بمفردات هذه الحياة، وبمكوّنات هذا الوجود، لو لم يكن لها الأثر البالغ، لما وجدنا عددًا كبيرًا من الأنبياء والمرسلين يكون في صدارة ما يدعون إليه أقوامهم: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
نعم، وهذا دليل مباشر على ما أشرتم إليه، على البيئة؛ ورد في كتاب الله عز وجل في خمسة مواضع، على لسان أنبياء ورسل كرام عليهم الصلاة والسلام أنهم خاطبوا أقوامهم: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. نعم.
والله عز وجل يقول: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، أي بعد أن أوجدها الله تبارك وتعالى صالحةً مهيّأةً موطّأةً لحياة هانئة كريمة صالحة، فحافظوا على هذا الصلاح الذي وُجدت عليه، وأصلِحوا ما يمكن أن يحدث فيها من فساد وخلل واضطراب.
نعم، فهذا الأمر في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ يشمل المحافظة عليها، نعم، ويشمل المزيد من إصلاحها، كما يشمل إصلاح ما طرأ عليها من فساد وخلل، وهذا –هذه الآية الكريمة– نصٌّ أيضًا صريح مباشر فيما يتعلّق بصلة هذا الإنسان بالكون من حوله.
لننظر في سورة الرحمن، فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ * وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
نعم، فالله عز وجل يبين في هذا السياق القرآني أن السماوات وهذه الأرض أقامهما الله تبارك وتعالى على ميزان، على اعتدال، قسط، توازن في مكوّناتها وفيما تشتمل عليه، ونهى هذا الإنسان عن أن يطغى في هذا الميزان، فيختل توازن هذا الوجود، نعم، يطغى فيه جانب على آخر، ويؤكد هذا المعنى هذا السياق القرآني بمؤكِّدات كثيرة تستدعي أيضًا إمعان نظر في دلالة كل آية، بل كل كلمة من هذا السياق القرآني، لكن هذه الإشارة كافية في الدلالة المباشرة على ما سألتم عنه.
كذا الحال في هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نجد أحاديث كثيرة تتعلّق بالمياه، والطهارة، والنظافة، تتعلق بحفظ مكوّنات البيئة، تتعلق بالرفق والإحسان، وتشمل جوانب فقهية شتى –سنأتي– تتعلق بحالة الحرب وحالة السلم، تتعلّق بحقوق البهائم والعجماوات، تتعلّق بالعلاقة التي تنشأ ...
هذا لما تقدم: أن ما تصدر عنه هذه الأحكام الشرعية المبنية على هذه الأدلة من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما تخرج من مشكاة الإيمان بالله تبارك وتعالى ربًّا خالقًا مستحقًّا للعبادة وحده جل وعلا، ومنه يستمد المؤمن شرعه ومنهجه الذي يسير عليه في هذه الحياة، التناغم والتواؤم بين هذه الجزئيات والفروع وبين الأصل الذي تستقي منه –وهو الفكر والمنهج، أو التصور والفلسفة كما يقال في التعبيرات المعاصرة– ...
وأثَر هذه التشريعات والأحكام التي نجدها في دين الله تبارك وتعالى لا يقتصر على الإنسان، بل يمتد ليشمل الحيوان، نعم البهائم، يشمل مكونات هذه الحياة من برٍّ من يابسةٍ ومن مياهٍ بأنهارٍ ومحيطات، ومن جمادات، نعم، ومن هواء، ومن كل ما يكون هذه البيئة التي يوجد فيها هذا الإنسان: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.