مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

الفرق بين الغنى والترَف

ما الفرق بين الغنى والترَف، وهل يدعو الإسلام إلى الغنى أم ينهى عنه ويدعو للزهد وترك حطام الدنيا؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد: فالجواب أن الغنى ليس من الخصال المذمومة في هذا الدين، لأن الله تبارك وتعالى أمر عباده بالسير في مناكب هذه الأرض، وبالسعي لكسب الرزق، وسخَّر لهم ما في السماوات وما في الأرض، ودعاهم إلى عمارة هذه الحياة، وأمرهم بالإنفاق من طيبات ما اكتسبوا، وأوجب عليهم فروضًا كفرض الزكاة، وندبهم إلى الصدقات وإلى وجوه البر المختلفة؛ مما يعني أن تأثُّل الإنسان للمال وسعيه لاكتسابه ومكنته منه من أجل الإنفاق منه هي مقاصد مشروعة في هذا الدين. والله تبارك وتعالى حتى في السياق الذي يحذر فيه من إيتاء السفهاء الأموال التي هي لهم ذكر أن المال هو قِوام الحياة، فقال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5]، ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾. فالمال هو قِوام هذه الحياة، وحينما قصَّ لنا ربنا جل وعلا قصة نبيه الكريم يوسف عليه السلام لما ثبتت براءته للملك، وأراده الملك واستخلصه لنفسه لينتشِل المجتمع المصري من سوء الأوضاع التي آلت إليها البلاد، فإن يوسف عليه السلام قال كما حكى ربنا جل وعلا: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]. فرقيُ المجتمعات وبناء الأوطان وعمارة هذه الحياة يستدعي تسخير الثروات والموارد الطبيعية في مسيرة البناء والتعمير التي هي تحقيق لاستخلاف هذا الإنسان في هذه الأرض. لكن الترف مختلف عن ذلك؛ فالترف يعني أن ينسى هذا المُنْعَمُ عليه حقوقَ المُنْعِم جل وعلا، وأن تستحكم في نفسه حبُّ هذه الحياة الدنيا، وأن يتملك عليه خاطره، ويتملك عليه قلبه ولُبَّه، فيشتغل عن الحياة الآخرة، ويغفل عن حقوق الله سبحانه وتعالى الذي آتاه هذا المال واستخلفه فيه، ويعرض عن أداء الحقوق الواجبة عليه، ويكون في رغدٍ من العيش غير ملتفتٍ إلى شيءٍ من هذه الحقوق المتقدمة، ولا شاكرٍ لله سبحانه وتعالى على ما أولاه من نعم، ولا مقدمٍ لآخرته شيئًا مما يمكن أن ينقذه وأن ينجو به حينما يقف بين يدي الله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. فهذا هو الترف المنهي عنه، وهو غير محصور في الغنى؛ فقد يكون متوسطَ الحال، بل حتى الفقير قد يكون مجاوزًا للحدود مسرفًا على نفسه، حتى فيما أوتيه من نعَم يسيرة بسيطة، قد يكون مترفًا لا يراعي حدود الاعتدال، ولا يقف عند التوسط والاقتصاد، ولا يراعي حقوق نفسه عليه، ولا حقوق أسرته وعياله، ولا حقوق مجتمعه عليه، ولا يشكر الله سبحانه وتعالى على ما أتاه من نعم، فيتسخَّط ويتذمَّر، ويكثر من الشكوى، ولا يرضى بما قسم الله عز وجل له، وهذا لا ريب أنه مجاوزة للحدود، وهو إسراف؛ فقد يُسرف على نفسه فينسى حقوق الله سبحانه وتعالى عليه، متذمرًا متسخطًا، ولا يؤدي حقوق شكر ما أولاه الله عز وجل من نعم شتى: من نعمة الصحة، والعقل، والولد، والأمن، والأمان، وغيرها من النعم الأخرى التي قد يكون غيرُه قد سُلِبَ إياها. فهذا قد يكون متوسط الحال أو يكون فقيرًا، إلا أنه مترف، وقد يكون كذلك مسرفًا مجاوزًا للحدود غيرَ لاوٍ على حقوق الله سبحانه وتعالى ولا حدود هذا الدين، ولا ملتفت لشيء من الأخلاق، ورأسُ ما لهذا الإنسان أخلاقه وقيمه، وهي لا تحتاج إلى غنى ولا تحتاج إلى ثروة. فهذا يثبت أن الأفراد قد يكونون في غنى، إلا أنهم عبادٌ، ورِعون، أتقياء، مخلصون، ينفقون في وجوه الخير، يعمِّرون مجتمعاتهم، يؤدون الحقوق التي عليهم، يشكرون الله تبارك وتعالى على ما أولاهم من نِعَم، وهؤلاء لا ريب يكونون سبب جلب خيرٍ وصلاحٍ ونفعٍ ورشدٍ لأنفسهم ولمجتمعاتهم، وقد يكون من غيرهم، من غير ذوي اليسار وذوي الثروة، من تكون حالُهم أقربَ إلى البطر وغمطِ حقوقِ الناس، والبعدِ عن حقوق الله تبارك وتعالى. ولذلك فإن الترف لا يتصل بحال الغنى واليسار إلا في الأعم الأغلب، لكنه لا يكون ضميمةً ملازمةً لحال الغنى واليسار، ومن أجل ذلك جاء التحذير منه في مواضع عديدة من كتاب الله عز وجل.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢٧‏/١٢‏/٢٠١٥👁 2 مشاهدة
🎬

الترف والتلف إعذار وإنذار 2 - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي HD

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

هل الغنى مذموم شرعاً

2 👁

هل يتجه التحذير في الحديث إلى مجرد الغنى وحيازة المال أم إلى الانفتاح على الدنيا والصراع عليها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٧‏/٣‏/٢٠٢٢

غنى النبي أم فقره

2 👁

ما صحة القول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان غنيًا وعنده الكثير من الأموال ولم يكن فقيرًا؟

👤ماجد بن محمد الكندي
١٣‏/٧‏/٢٠٢٥

الفرق بين الحزن والجزع

2 👁

ما الفرق بين الحزن والجزع، وماذا يفعل من ابتلي بالحزن الشديد؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

الفرق بين الرفق والرحمة

2 👁

ما الذي يميز الرفق عن بقية القيم كالرَّحمة والعطف والتسامح واللطف؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١‏/٢٠٢٢

هل الغني متفضل بالزكاة

2 👁

هل يعتبر الغني متفضلاً على الفقير عندما يعطيه مال الزكاة؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

الفرق بين الحزن والجزع

2 👁

ما الفرق بين الحزن والجزع، وماذا يفعل من ابتلي بمثل حزن يعقوب؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٥‏/١‏/٢٠٢٠