⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن الرفق يلتقي مع هذه المبادئ التي ذكرتموها من الرحمة واليسر واللطف، يلتقي معها، وإن كان عندي أوسعها.
والدليل على ذلك أن الله تبارك وتعالى جعله أصلًا في هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، فاستعمال (ما) المصدرية في هذا السياق يشي أن الأصل في سجاياه وشمائله عليه الصلاة والسلام –لا سيما في هذا السياق الذي وردت فيه هذه الآية الكريمة– الرفق ولين الجانب، وهذا هو معنى الرفق.
فهو بخلاف العنف والشدة، فالرفق يعني اللطف ولين الجانب واليسر والتيسير.
وقلت بأنه أوسعها؛ لأن الله تبارك وتعالى –أيضًا على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم– وصف به الدين كله؛ فهذا الدين الذي ارتضاه الله تبارك وتعالى لعباده دين موصوف في شريعته، في أحكامه، وفي عقيدته بالرفق بالعباد، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «إنما بُعثت بالحنيفية السمحة»، وقال: «إن هذا الدين يُسر، لن يُشاد الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فَيَسِّروا ولا تُعَسِّروا»، وقال: «فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبتَّ لا ظهرًا أبقى ولا أرضًا قطع».
وهو عليه الصلاة والسلام أيضًا يؤكد في مناسبات شتى أن الرفق خير في الأمر كله، وكان هديه كذلك، فما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
ولهذا فإن الرفق بهذا المعنى جميعًا يكاد يكون أوسع دلالة وتطبيقًا من قيم الرحمة والسماحة واليسر واللطف وغيرها مما يدور في فلكها، فهذا هو الذي يميز الرفق عن غيره، ولا أدل على ذلك من أن الدين نفسه وُصف بأنه دين يسر بعيد عن الكلفة والمشقة، ورُفع فيه الحرج، وأن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا وُصف بهذا السمت والهدي، فوصفه القرآن الكريم بذلك، ونجد أمثلة ترفقه عليه الصلاة والسلام بالناس أجمعين بل بكل ما هو موجود في هذه الحياة في صور شتى وأمثلة عديدة، وكذا الحال فيما يتعلق بالحقوق وأدائها؛ فإننا نجد أنها تقوم على الرفق واللين في هذا الدين الحنيف، ولذلك فإن الرفق يكون في عقيدة هذا الدين، وفي شريعته، وفي حقوقه، أي في الحقوق المأمور بها في المعاملات والعبادات والأسرة والتربية والأحوال الشخصية والعلاقات الدولية وسائر الحقوق التي تناط بهذا المكلَّف كما تكون في الأخلاق: في أخلاق الفرد، وفي أخلاق الأسرة، وفي أخلاق المجتمع، فكان الرفق بذلك شاملًا لكل وجوه الحياة.