✓ تم نسخ الرابط
هل الكذب فجور آخر؟
هل هناك نوع آخر من الفجور يتولد عن الكذب غير كونه في نفسه فجوراً؟
⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا الأقوام، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم، آمين.
الجواب: نعم؛ فإن الكذب هو من الخلال التي يستمرئها الإنسان حينما لا يراقب الله تبارك وتعالى في أقواله وأفعاله، ولذلك فإن أمر الكذب يتدرج فيه هذا الإنسان ضعيف الإيمان، ضعيف المراقبة لله تبارك وتعالى، حتى يصبح سجية من سجاياه؛ لأنه يعتاد على الكذب، وحينئذ فإنه يضيف إلى كذبه ذلك خلالًا من الفجور والفساد والفحش، والبعد عن الحق والصواب، ولا أقل من هذه الخلال: الغدر، والخيانة، وعدم الوفاء، والتدليس على الناس، والاستهزاء، واللمز، والتنابز بالألقاب، وهي كلها من العظائم التي حرمتها هذه الشريعة الغراء.
ولهذا نجد تشديدًا في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما يأتي شيء يتعلق بالكذب؛ فقد قالت امرأة لطفلها: تعال أعطك، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسمع، فقال لها: وما تعطينه؟ قالت: التمرة، فقال: «لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة». هكذا بلغ حرص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التحذير من الكذب حتى على الأطفال، بحيث تُنزَّه فطرة الأطفال من قبول الكذب ومن التنشئة عليه.
وكذا الحال فيما يتعلق بالمزاح على سبيل المثال؛ فإنه أيضًا عليه الصلاة والسلام حذر تحذيرًا بالغًا من أن يعمد المرء إلى الكذب ليضحك الناس، فقال: «ويلٌ لمن يكذب ليضحك القوم، ويلٌ له، ويلٌ له». وهذا وعيد شديد منه عليه الصلاة والسلام لهذا الذي يلجأ إلى الكذب، وإن بدا أنه يقصد مقصدًا حسنًا بإدخال السرور على الآخرين، إلا أن ذلك محرم في شرع الله، ومحرم كما نصت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وهو عليه الصلاة والسلام في هديه العملي كان مازحًا عليه الصلاة والسلام، كان يمزح، لكنه كان في مزاحه لا يقول إلا صدقًا، ولا يأتي إلا حقًّا، وهكذا عُرف عنه عليه الصلاة والسلام.
وكذا الحال بالنسبة لما يُطبع عليه المسلم من الخلال؛ فإنه حينما سئل –سأله بعض أصحابه رضوان الله تعالى عليهم– عن بعض الخلال التي يمكن أن يُطبع عليها المسلم، ذكروا منها –وإن كان الحديث عند أهل الصَّنْعَة يعد من المراسيل، إلا أن الفقهاء يحتجون به– فقد سُئل: أيكون المؤمن جبانًا؟ فقال: «نعم»، قالوا: أيكون المؤمن بخيلًا؟ فقال: «نعم»، فقالوا: أيكون المؤمن كذابًا؟ فقال: «لا». فنفى صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الرواية أن يكون الكذب من السجايا التي يُطبع عليها المؤمن.
فهذا يدل على أن الكذب هو من العادات الذميمة التي يألفها هذا الإنسان باختياره، ويلجأ إليها، ثم بعد ذلك حينما يستسهل ويستمرئها فإنه لا يكاد يجد فكاكًا عنها.
ولهذا في الحديث: «وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا».
وهذا الملحظ الذي تشيرون إليه –وهي لطيفة تحتاج إلى تمحيص، لأنها واتتني الآن– إذ نجد في كتاب الله عز وجل أن وصف ذلك الذي يتصف بالكذب يأتي بصيغة المبالغة في القرآن الكريم، فنجد في آيتين من كتاب الله عز وجل هذين الوصفين؛ نجد وصفًا واحدًا وهو وصف «الكذاب»: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: 28]، وفي آية أخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: 3]، فاسم الفاعل في موضع، وصيغة المبالغة في موضع آخر، وحيثما ورد اسم الفاعل فإن الله تبارك وتعالى أتبعها بصفة أخرى، وهي أنه كفار.
فهذا دليل على أنه يستمرئ الكذب حتى يصبح عادة لديه وسجية سيئة، لا ريب عند هذا الإنسان؛ ولذلك فإنه يهدي إلى الفجور، ولا فجور أعظم من أن يتحلى الإنسان أو يتصف بهذه الرذيلة، وما تولده هذه الرذيلة من رذائل أخرى؛ من فحش في القول، أو تنابز بالألقاب، أو لمز للناس، أو خوض في أعراضهم، أو سعي بينهم بالنميمة، أو إثارة للفتن وتهييج للمسلمين، أو تزييف للحقائق، أو تعطيل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما تقدم ذكره أيضًا من الغدر والخيانة، والغش في المعاملات، لا سيما في المعاملات المالية، ومن تضييع الأمانة؛ الأمانة العلمية والأمانة الأدبية.
وهذا أيضًا يقودنا –وسأختم به حتى لا أطيل– أن الله تبارك وتعالى علَّق النجاة في الآخرة على الصدق، فقال: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119]، لم يذكر في هذا السياق إيمانهم، ولم يذكر أعمالهم وتقواهم، وإنما استغنى بذكر الصدق عن كل تلك الصفات الحميدة التي تبلغ المتصف بها رضوان الله تبارك وتعالى في الآخرة.
وهذا يثبت أن الصدق هو أصل لتلك الفضائل والكمالات والمحامد والمحاسن التي يحبها الله تبارك وتعالى، فتبلغ المتصف بها السعادة في الآخرة، كما تبلغه الرضا والطمأنينة في هذه الحياة الدنيا؛ مما يعني أن الذي يخسر في الآخرة –والعياذ بالله– إنما يخسرها ويكون من أهل الشقاء –عياذًا بالله– بسبب تركه للصدق وملازمته للكذب.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٥/١٠/٢٠١٥👁 2 مشاهدة
🎬
الكذب في ميزان المصلحة والمفسدة 2 - د. كهلان بن نبهان الخروصي HD
✦ فتاوى مشابهة
فجور الكذب وأنواعه
3 👁هل هناك فجور آخر غير الكذب نفسه يتولد عن الكذب كما في الحديث أن الكذب يهدي إلى الفجور؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠/١٠/٢٠٢٠هل الكذب محرم لذاته
2 👁هل يعني ما سبق أن الكذب محرم لغيره لا لذاته، أم أن تحريمه لذاته؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠/١٠/٢٠٢٠خطورة الكذب
2 👁هل للكذب خطورة حقيقية على الإنسان مع أنه يظن أن فيه نفعاً ومصلحة له؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠/١٠/٢٠٢٠الكذب من الصغائر؟
3 👁بعض المدارس الفقهية تعتبر الكذب من الصغائر، فما سبب ذلك؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠/١٠/٢٠٢٠الكذب على المخالف
2 👁ما رأيك في من يقرر جواز الكذب على أهل البدع والمخالفين بحجة أن المصلحة تقتضي ذلك؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠/١٠/٢٠٢٠حكم الكذب على الأطفال
2 👁هل يجوز الكذب على الأطفال لتسكين مطالبهم الكثيرة خاصة عند التسوق؟
👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٣/٦/٢٠١١