⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
شكرا لك أخي عبد الرحمن على هذا السؤال، وهو سؤال قيم ومهم.
وينبغي لنا قبل أن ندخل في تفاصيل الجواب أن ننبه إخواننا وأخواتنا الذين يرزقون بأولاد من فئة الصم والبكم أن يحمدوا الله سبحانه وتعالى على نعمته على كل حال؛ فإن الله عز وجل يختار لعباده، وهو جل وعلا يبسط نعمه على عباده بحكمة؛ فإن وهبهم ما يرجون فإنما ذلك بفضل منه سبحانه وتعالى، وإن وهبهم ما لم يكونوا يرجون فإن هذا لا ينفي عنهم وجوب الشكر ولزوم حمد الله تبارك وتعالى؛ إذ قد يكون فيما أتاهم، قد يكون الذي أتاهم سببًا لنزول البركات ولإصابتهم بالرحمة والخير من لدنه.
ثم ليعلموا أيضا أن الله سبحانه وتعالى حينما يسلب نعمة من عبد فإنه يعوض هذا العبد بنعم أخرى، ومن المقرر أن أغلب الصم والبكم يمتازون أيضا بصفات وخصائص وجوارح ونعم لا يوجد مثلها –أو لا يُعرف قدرها– لدى الأصحاء الأسوياء؛ فغالبًا ما يكون حظهم من النظر، من البصر، أفضل من غيرهم، فيكون إدراكهم البصري أقوى من إدراك غيرهم، ويكون أيضا تمييزهم المبني على البصر أفضل من غيرهم، وكأن الله سبحانه وتعالى يعوض عليهم بنعم أخرى، وكذا الحال بالنسبة لملكاتهم فيما يتصل بتمييز الأشياء والعناية بالمظاهر، وفيما يتعلق بوقوفهم عند كثير من التفاصيل التي لا يشتغل بها غيرهم.
ولهذا فإن على الأسرة أن تقدر هذا الجانب، وأن تعلم أن حقوق الطفل لا تختلف حينئذ؛ فحينما يُسلب نعمة السمع أو الحديث فإن هذا لا ينفي عنه الحقوق التي يستحقها الأولاد من والديهم في هذا الدين الحنيف؛ فهم مستحقون لحسن التربية ولجميل الرعاية، وللأدب الإسلامي الرفيع، وللتنشئة القويمة، ولحق التعليم، ولحق الصحة، والعناية بهم فيما يتصل بمعاشهم، كل هذه الحقوق لا تمييز فيها بين طفل وآخر، بل هم مستحقون لمزيد من الحقوق المتعلقة بمراعاة هذا الجانب الذي سُلِبوه، وفي المقابل أيضًا بتسخير ما حباهم الله سبحانه وتعالى عوضًا عما أُخذ منهم.
فعلى سبيل المثال: لما كانوا قد فقدوا السمع والكلام، وقويت عندهم جارحة البصر، فينبغي أن تكون تربيتهم وأن يكون تعليمهم مستغِلا لهذا الجانب؛ فهم يدركون بأبصارهم أكثر من إدراك غيرهم، وترتبط المعلومة عندهم بالصورة؛ هكذا أخبرني كثير من الإخوة والأخوات المتخصصين العاملين مع هذه الفئة؛ فإدراكهم للحقائق وللمعلومات يكون في أذهانهم مرتبطًا بكثير من الصور، قد تكون هذه الصور حقيقية وقد تكون صورًا ذهنية، أكثر من ارتباطها بالكلمات وبمعاني الكلمات.
كما أن الحصيلة اللغوية التي يتحصلون عليها مما يدركونه من معاني الأشياء ليست كالحصيلة اللغوية لدى الأطفال الأسوياء، وإنما يستبدلون بذلك –مرة أخرى– صورًا ذهنية قد تكون مأخوذة من الواقع، يدركون بها المعاني؛ فلا ينبغي أن يكون التركيز على كثير من الكلمات والألفاظ قدر ما يكون التركيز على صور تُغرس في نفوسهم، تُغرس في أذهانهم، ويكون على أساسها التربية والتعليم والتفقيه.
ومما أيضًا ينبغي –أو مما ننصح به الوالدين– أن يبتعدوا عن التفريق والتمييز بين أطفالهم؛ لأن حق التسوية بين الأولاد حق كفله الشرع، ولذلك لا يصح أن يُؤثَرَ طفلٌ سوي على طفل ابتلاه الله عز وجل بأي نوع من الابتلاءات؛ لا يصح هذا أبدًا، لا في الجوانب المادية ولا في الجوانب المعنوية؛ لا في جانب الإيثار بأن يؤثَر بعض الأولاد على بعض، ولا في جانب الحث المعنوي والثناء والمدح والتشجيع؛ لأن لهذه جميعًا آثارًا معنوية بالغة، إن لم ينتبه لها الوالدان، وإن لم تنتبه لها الأسرة والمجتمع، فإنها يمكن أن تورث –للأسف الشديد– انحرافًا، ويمكن أن تُبعِد هذا الطفل بعد ذلك عند بلوغه عن الاستقامة وعن دين الله عز وجل وحسن الخلق وتقوى الرب جل وعلا.