⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فالجواب هو أن الذي ينبغي لعلماء المسلمين أن يتقنوه منهجًا في تعاملهم مع مثل هذه الأحداث إنما يرجع إلى قاعدة أصولية متفق عليها، مجمعٍ عليها بين علماء الإسلام. هذه القاعدة مأخوذة من قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وآله: «مَن أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئرًا لا قعر لها ولو أنه أصاب الحق».
وخلاصة هذه القاعدة أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
فالواجب على علماء الإسلام أن يتثبتوا من الحيثيات والمعطيات والمعلومات والبيانات اللازمة لفهم الواقعة؛ لأن الإفتاء في أمر من الأمور، أو حدث من الحوادث، أو واقعة، أو نازلة من النوازل يستدعي شروطًا ثلاثة لا غنى للمفتي عنها. والمفتي يقصد به في هذا السياق كل من يتحدث لبيان حكم الله سبحانه وتعالى في تلك الحادثة أو النازلة، كل من يتصدر لبيان الحكم الشرعي وهو مؤهل لذلك، لا بد أن تصدق عليه شرائط ثلاثة:
أما الشرط الأول فهو العلم الشرعي، بما يشتمل عليه هذا الشرط أيضًا من شرائط فرعية: من العلم بكتاب الله عز وجل، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبأدوات الاجتهاد وشروطه، وبالوسائل التي تمكن هذا العالم من تصور المسألة تصورًا صحيحًا موافقًا للأدلة الشرعية.
وأما الشرط الثاني فإنه متصل بتقوى العالم، بنزاهته، وحسن تدينه لله سبحانه وتعالى؛ فلا بد أن يكون العالم أيضًا صاحب عمل صالح، ومراقبة لله عز وجل، وخشيةٍ منه؛ حتى لا يقع في الهوى والضلال والإضلال، وحتى لا يكون من علماء السوء الذين تقودهم الأهواء والشهوات والمنافسة على حظوظ هذه الحياة الدنيا، فيؤثر ذلك على ما يصدر عنه.
وأما الشرط الثالث فهو الإلمام بالواقعة نفسها؛ فلا يكفي أن يكون عند العالم أو المجتهد علم شرعي كاف، ولا يكفي أيضًا أن يكون معه صلاح وتقوى دون أن يكون متصورًا للواقعة، للنازلة، ملمًّا بأطرافها، قادرًا على تنزيلها وفقًا للأدلة الشرعية بعدما تثبت عنده بكل ما فيها، وبكل ما يكتنفها مما يؤثر في الحكم الشرعي.
ولهذا فإنه لا يسوغ لعلماء المسلمين أن يستقوا تصوراتهم عن واقعة من الوقائع أو حدث من الأحداث من خلال ما تنقله إليهم وسائل الإعلام؛ حتى لو تصورنا أنهم يحاولون جاهدين أن يستنبطوا مجرد ما يتعلق بالخبر نفسه، بالحدث الواقع، فإنهم لن يسلموا من التأثر بتوجهات هذه المنابر الإعلامية؛ كيف ونحن نعلم اليوم أن وسائل الإعلام العالمية ذات التأثير البالغ في الناس إنما يملكها غير المسلمين، وإنما أربابها من ذوي التوجهات والأجند المتعددة التي هي –في الغالب– تستهدف المسلمين، وتسعى إلى إضعافهم وإذلالهم، وإلى تشويه الحقائق والأخبار لمصالحهم العليا وللغايات التي يهدفون إليها.
فلا يمكن إذًا لعالم أو فقيه أن يعوِّل على ما يصله عبر وسائل الإعلام لكي يدعي بعد ذلك أنه يمكن له أن يطلق فتوى أو حكمًا شرعيًّا دقيقًا فيما يتعلق بتلك الحادثة.
هذا لا يعني أنه يستحيل أو يتعذر أن يصل إلى كنه الواقعة، وإلى تصور ما يكتنفها مما يحتاج إليه في إصدار الحكم الشرعي وفي بيان حكم الله سبحانه وتعالى في تلك الواقعة، لكنه يحتاج إلى جهد كبير، ويحتاج إلى الاستعانة بالخبراء، وإلى إجراء مقارنات، وإلى اللجوء أيضًا إلى ذوي الاختصاص، وإلى الحياد التام، وإلى تتبع دقيق، وقراءة عميقة، حتى يتمكن بعد ذلك من الوصول إلى ما يسعفه إلى بناء الحكم الشرعي.
إذا تحقق له ذلك فإنه أيضًا لا بد من الاحتكام إلى مبدأين اثنين، وهما أيضًا من المبادئ الواضحة:
أما المبدأ الأول فهو ما نص عليه ربنا جل وعلا في قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُواۚ اعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]؛ فإن المسلم عليه أن يكون عادلًا منصفًا، وأن يتحرى القسط والميزان الذي لا يراعي فيه المصالح الدنيوية أو المصالح الخاصة، وإنما يراعي فيه أنه سيقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، وسوف يسأله عن علمه وماذا عمل فيما علم؛ فهي أمانة عليه أن يؤديها بكل إخلاص وبكل وفاء، وأن يتحرى مرضاة الله سبحانه وتعالى فيها.
وأما المبدأ الآخر فهو فهم أن الحق قد يكون ثقيلًا، لكنه متى اطمأنت النفس إلى الوصول إليه فإنه يجب كشفه؛ وبالتالي فإن الجريمة هي جريمة ممن صدرت منه، قريبًا كان أو بعيدًا، حبيبًا كان أو بغيضًا؛ لا بد من وضع الأمور في نصابها الشرعي، وتسمية هذه الأمور بمسمياتها الشرعية.
فمتى ما ثبت أن طائفة أو أفرادًا من المسلمين ارتكبوا جرمًا فإن إسلامهم لا يشفع لهم في أن يُسمى ما صدر منهم باسمه الشرعي، وأن تُسمى الجريمة جريمة.
نحن نجد في كتاب الله عز وجل أن الله تعالى قد مرَّسَ يهوديًّا بجملة آيات تُتلى في كتاب الله عز وجل إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها من جريمة سرقة اتُّهِمَ بها زورًا وبهتانًا، وكان الذين اتهموه بها من ضعاف النفوس من المسلمين، وهو من اليهود الذين يكنُّون ما يكنُّون –مما أبداه القرآن الكريم– لهذا الدين ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين عمومًا، ومع ذلك فإن الله تعالى أرسى –لِما أقرَّه ببعثة الأنبياء والمرسلين وإنزال الكتب– حينما قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].
إرساءً لهذا المبدأ فإن على المسلمين أيضًا أن يؤدوا هذه الرسالة في واقع حياتهم، وأن يتمثلوا هذا المبدأ، شريطة أن يكون –كما تقدم– ما يصلون إليه من أحكام شرعية مبنيًّا على تحقيق الشرائط الشرعية والضوابط الاجتهادية المعروفة.
أما أن يتسابق كل من هب ودب –للأسف الشديد– إلى التنظير والتأصيل، وإلى إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية، ثم يُحدِثون بلبلة في واقع حياة الناس، وهذه البلبلة تؤدي إلى فوضى عارمة، وإلى تشتيت أفكار الناس دون ردِّهم إلى المبادئ الأصيلة؛ فإنه يَسَعُ الناس السكوت إن كانوا لا يتصورون، لكن إذا أضافوا إليها من الأدلة التاريخية والواقعية المعاصرة أيضًا، وتتبع الأحداث والأخبار، فإنه يمكن أن يصلوا إلى نتيجة مفادها أن الأمور ليست على ما يظهر لهم في بادئ الأمر، وأن وراءها ما وراءها من مخططات يسوقها أعداء هذا الدين للتنقص من الإسلام وأهله ومن المسلمين، وللوصول إلى ثرواتهم، وإلى إضعاف صفِّهم، وإحداث الفرقة فيهم.