⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما الذي يثير الفتن، ويؤجج الخلاف بين الناس، ويحمس الناس بعضهم على بعض، إنما هو في الحقيقة ليس من العلم في شيء، بل هذا هو عين الجهل، وهذا عين الضلال.
على أن الإنسان قد تأخذه حمية مثلا فيقول غير الحق، وينسب إلى بعض الناس الأكاذيب والزور، ويلصق بهم ما هم منه براء من التهم، وهذا إنما يعود إلى عدم الورع وإلى عدم الخوف، وإلا فالإنسان لا بد من أن يكون يخشى الله تعالى فيما يقوله، ويخشى الله تعالى فيما يفتي به، ويخشى الله تعالى فيما يعمله، والإنسان مسؤول عن فلتات اللسان: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم – أو قال: على مناخرهم – إلا حصائد ألسنتهم». وبطبيعة الحال نحن نرى كيف في كتاب الله سبحانه وتعالى التحذير البالغ من الإقدام على أمور تعقب فتنة، أو تسبب فتنة.
حتى بعض الأمور التي هي في الأصل حَرِيّة بأن يؤخذ بها في الاعتبار، إلا أنها تُترك لأجل دفع مضرة عمن لا يستحق هذه المضرة. نجد مثلا قول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: 25]، الله سبحانه وتعالى كف أيدي المؤمنين عن القتال وعن البطش عندما صدهم المشركون في مكة المكرمة لأجل الحفاظ على من هناك من الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات الذين لا يعلمهم المؤمنون، فلو أن أولئك لم يكونوا هنالك لأطلق الله سبحانه وتعالى أيدي المؤمنين في ذلك الوقت، وكانوا على مقدرة، وكانوا على حماس، وكانوا جاءوا متحمسين لملاقاة الكفر وعتيّه وكبريائه، ولكن مع ذلك كله كُفت أيديهم عن هذا، لماذا؟ لأجل مراعاة هذا الجانب.
ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى حتى في قتال الكفرة المعتدين الذين يشنون الحروب على الأمة المسلمة إنما أمر بالعدل، وأمر بالإنصاف، وأمر بعدم الاعتداء، وأمر بالتزام الأخلاق، الله تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].
فهؤلاء الذين يصدرون الفتاوى بسفك دماء، هذه الدماء قد تكون دماء مسلمين، قد تكون دماء أبرياء، قد تكون دماء نساء، قد تكون دماء أطفال، قد تكون دماء شيوخ، قد تكون دماء عَجَزة، هؤلاء الذين يبررون هذه الأعمال بأمثال هذه الفتاوى إنما هم في الحقيقة جهلة، وهؤلاء بطبيعة الحال عُرفوا من قديم الزمان بتبرير العدوان وتبرير الفساد وتبرير الجبروت، كما ذكرنا في الحلقة الماضية، وكانوا يبررون سفك دماء الذين خرجوا مدافعين عن الحق، مناصرين للحق، يبررون سفك دمائهم، بينما يرون أن خروج أولئك لأجل الدفاع عن الحق، ولأجل رفع راية الحق، ولأجل تحقيق العدالة المطلوبة بين الناس جميعا، يرون أن ذلك لا يبرر هذا كله، مما يدل على عدم فهم الفقه، إنما هذا الفقه مبني على تبرير الواقع كيف ما كان.
وما رأيكم أيضا في ما قام به هارون عليه السلام عندما قال: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه: 94]؟ لم يتخذ أي إجراء، لأنه خاف من الفرقة، خاف من الفرقة.