⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن الفتوى كما علمتم منصب فيه خطورة بالغة، لأن من أفتى إنما يبلغ عن الله، ويتحدث باسم شرع الله سبحانه وتعالى، وهو وإن كان يجتهد في بعض القضايا، والاجتهاد لا ريب فيه مجال واسع عندما لا يصادم نصا شرعيا، إلا أن هذا الاجتهاد يجب أن يكون نابعا من مصادر شرعية، وأن يكون صاحبه على قدرة على استخراج الأحكام من هذه المصادر.
فمن المعلوم أن الأصل الأول لشرع الله تعالى هو القرآن الكريم، هذا الكتاب العزيز الذي أنزله الله سبحانه وتعالى بلسان عربي مبين، وجعل سبحانه وتعالى في تضاعيفه كثيرا من القواعد العامة والخاصة، وجعل الله سبحانه وتعالى في تناول تفسيره ومحاولة فهمه سُبلا ووسائل تقتضي أن يكون الإنسان ملما بفنون متعددة.
ففي الصدر الأول، في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، وبعد الرسول صلى الله عليه وسلم في عهد الرعيل الأول، كان الصحابي ينظر إلى كتاب الله بفهمه وإدراكه، ويتعامل معه بسليقة العربية، فيقدر على أن يستنبط منه الأحكام، ويقدر على أن يرد المسائل إلى أصولها، وإن لم تكن عنده قواعد متفق عليها من حيث اصطلاح العلماء، وهي القواعد التي سميت بأصول الفقه التي توجد في الإنسان ملكة على التعامل مع الأدلة الشرعية وكيفية استنباط الأحكام الشرعية منها.
فالصحابي لسلامة أذواقهم، وصفاء سرائرهم، وقوة ملكاتهم، وممارستهم للعربية ممارسة فطرية، ولكونهم عايشوا نزول الوحي، وعايشوا بلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، ما كانوا يحتاجون إلى هذه الفنون التي لا بد لمن جاء من بعدهم أن يتكئ عليها في فهم مقاصد الشريعة، وفي فهم مرام النصوص الشرعية.
فهؤلاء كانوا على مقدرة، ولذلك ما كانوا بحاجة – أولا – في العربية، ما كانوا بحاجة إلى أن يتعلموا النحو، وما كانوا بحاجة إلى أن يتعلموا التصريف، وما كانوا بحاجة إلى أن يبحثوا عن مفردات اللغة، لأنهم بأنفسهم ملمون باللغة، إذ هي لغتهم بالسليقة، وهي لغتهم بالفطرة، فما كانوا بحاجة إلى بحث هذه الأشياء. وأيضا هم ما كانوا بحاجة إلى بحث قواعد أصول الفقه، لأنهم يعرفون كيف ينزلون الأشياء منازلها، وكيف يحملون العام على الخاص، والمطلق على المقيد، والمتشابه على المحكم، وكيف يحملون المجمل على المبين، وكيف يقابلون بين النصوص، هذه أمور كانت معروفة عندهم ليست بحاجة إلى أن تدرس.
أما وقد تطاول الزمن، فإن الزمن بقدر ما يتطاول، وبقدر ما يمتد، تتعقد الأمور، ويكون من يأتي أبعد ما يكون عن الفهم الذي كان عند الرعيل الأول، فلذلك من جاء من بعد تلك العهود كلما تقادم، كلما امتد عهده، كان بحاجة إلى مزيد من الدراسات حتى يتهيأ لفهم الأحكام الشرعية واستنباط هذه الأحكام من كتاب الله، وكذلك من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام.
فالذي يريد أن يتعرض للفتوى هو بحاجة إلى أن يدرس العربية دراسة عميقة، سواء من حيث النحو أو من حيث التصريف أو من حيث البلاغة، وهو بحاجة أيضا في نفس الوقت إلى أن يدرس فن أصول الفقه حتى يستطيع أن يتعرف على الطريق الأمثل في التعامل مع الأدلة الشرعية عندما يظهر فيها نوع تعارض، كوجود المقيد الذي يخالف المطلق، ووجود الخاص الذي يخالف العام، ووجود المتشابه والمحكم وأمثال ذلك، فإن هذه الأمور لا بد من أن يكون الذي يتعاطى الحديث في أحكام الشرع على خبرة ودراية بها ليضع كل شيء موضعه.
هب أن أحدا أخذ هذا النص من كتاب الله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145]، هب أن أحدا أخذ هذا النص وحاول أن يجريه على عمومه، ما هي النتيجة؟ النتيجة أنه يتجاهل المخصصات، يتجاهل حتى نصوص تحريم الخمر، لأن هذا النص على إطلاقه يفيد أن ما عدا ما مذكور هنا هو في حكم المحلل.
وكذلك لو جئنا إلى النصوص الأخرى التي تفيد تحريم بعض الأشياء، كقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96]، وأمثال ذلك، قد يتجاهل الإنسان هذه النصوص أخذا بهذا العموم، وهذا ربما وقع فيه بعض الزنادقة الذين يريدون أن يبرروا ما يأتون من منكرات، وما يرتكبونه من مخالفات.
ثم بجانب ذلك هناك مخصصات خصصت هذا العموم من السنة النبوية، بجانب المخصصات من الكتاب العزيز، فمن السنة النبوية مثلا حديث «أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير حرام»، هذا الحديث خصص عموم هذه الآية الكريمة، وكذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمر الأهلية.
وعند من يعرف أن العام وإن كان قطعيا المتن هو ظني الدلالة، أي: اشتماله على أفراد مدلولاته أمر ظني، لا يستغرب أن تكون هنالك مخصصات ظنية تخصص هذا العموم، لأن الخاص قطعي الدلالة، فهو من حيث دلالته قطعي وإن كان من حيث الثبوت ظنيا كالحديث الآحادي، فيمكن أن تخصص هذه العمومات بأحاديث الآحاد، وهذا الذي صدر عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
كذلك لو أخذ إنسان عموم قول الله تعالى – بعد ذكر المحرمات من النساء –: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾ [النساء: 24]، ما هي النتيجة؟ النتيجة أن يقول بأنه لا مانع من أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وأن يتزوج أيضا عمته من الرضاع، وأن يتزوج خالته من الرضاع، وأن يتزوج أم أبيه من الرضاع، وأن يتزوج أمثال هذه، لم يُنَصّ على ذلك، إنما نُصّ في الرضاع على الأمهات والأخوات، وقيل: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾، لكن عند من يعرف كيف يتعامل مع هذه الأدلة وفق القواعد الشرعية لا يلتبس عليه هذا الأمر، ويخصص هذه العمومات بهذه المخصصات ويلتزم ذلك.
فلذلك كان الإنسان بحاجة إلى أن يكون على دراية واسعة بهذه الأحكام، وعلى دراية واسعة بأدلة الأحكام: كيف تدل الأدلة على الأحكام، والأحكام كيف تدل عليها الأدلة، فهو يبحث – كما هو معروف عن فن أصول الفقه – عن الأدلة الشرعية من حيث إفادتها الأحكام الشرعية، والأحكام الشرعية من حيث دلالة الأدلة الشرعية عليها، فلذلك يتمكن من وضع كل شيء موضعه.
ولا ريب أن في هذا قد يكون هنالك مجال واسع للاختلاف في بعض القضايا، هذا مع الاختلاف في ترجيح بعض الأقوال على بعض بسبب النظر في الأدلة الشرعية، قد يكون هناك مجال للاختلاف.
نجد مثلا – مع وجود قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ – مع وجود هذا النص الشريف، نجد كثيرا من الفقهاء من يقول بأنه لا يحرم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، أي أنه يقيد هذا إذا كان ترك الذكر نسيانا، وجد هذا عند كثير من الفقهاء، بل نسب إلى بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هذا القول نفسه، ونسب إلى كبار التابعين أيضا.
إلى أي شيء يعود هذا الخلاف؟ بطبيعة الحال هذا الاختلاف يعود إما إلى قواعد أصولية، إلى النظر في بعض القواعد الأصولية، وإما إلى النظر في بعض القواعد العربية. النظر في القواعد العربية أيضا قد يؤدي إلى الاختلاف في هذه الجزئيات.
فبالنسبة إلى القواعد الأصولية: هناك اختلاف في الحكم العام إذا ورد لسبب خاص، هل يخصص بخصوص السبب – كما هو رأي طائفة من الفقهاء والأصوليين – أو أنه لا يخصص، وإنما العبرة بعموم اللفظ؟ وهذا هو رأي الجمهور، وهذا هو الذي يعبر عنه بقولهم: "لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ". وقد قالوا بأن الآية إنما نزلت في مجادلة الكفار في الميتة، بحيث كانوا يقولون للمسلمين: نأكل ما قتلنا ولا نأكل ما قتل الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة.
ومنهم من رد ذلك إلى النظر في الواو في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، هل هي للحال أو هي للعطف؟ والذين قالوا: للحال، قالوا: بأن العطف هنا لا يسوغ، لأن العطف يقتضي أن يتحد المعطوف والمعطوف عليه من الجمل في الإنشائية أو الخبرية، والجملتان هنا غير متحدتين، لأن إحداهما إنشائية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾، والأخرى خبرية: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، والخبر لا يعطف على الإنشاء. هذا قول من أقوال علماء العربية.
وإلا فهناك من يقول بجواز عطف الإنشاء على الخبر، والخبر على الإنشاء، ولهذا أدلة كثيرة أيضا من القرآن، وشواهد كثيرة من كلام العرب؛ من القرآن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، فقول ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ إنشاء، وقوله ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ خبر، وقد عطف الخبر على الإنشاء. وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۗ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۗ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: 221]، فالخبر عطف هنا على الإنشاء في هذه الجمل.
فإذن المسألة فيها خلاف، وهذا الخلاف يدركه الفقهاء الذين لهم فهم في اللغة العربية، ولذلك يجب أن يكون من يفتي في القضايا الشرعية – استنادا إلى الأدلة الشرعية، إلى أدلة القرآن وإلى أدلة الحديث الشريف عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام – على إلمام بالعربية من أجل أن يضع كل شيء موضعه، لأن عدم فهم العربية قد يؤدي إلى الكثير الكثير من المجادلات الباطلة، وقد يؤدي إلى حمل بعض الألفاظ على غير محاملها، قد يكون ذلك مع فهم العربية ولكن حرصا على مكابرة النصوص في بعض المواضع كما هو دَأْب كثير من الناس.
فهذه الأمور لا بد من أن يكون الإنسان على دراية بها. إذن الذي يفتي إنما يجب أن يكون على معرفة باللغة العربية، وعلى معرفة بأصول الفقه، وأيضا على معرفة بمقاصد الشريعة حتى يفهم كيف يمكن أن يرجح رأيا على رأي بسبب مراعاة المقاصد الشرعية، وهي حفظ العقل وحفظ النسل وحفظ الدين وحفظ العرض وحفظ المال، وهذه الأمور لابد من أن يكون الإنسان يتركها في الاعتبار حتى لا يتجاوزها.
كذلك أيضا لا بد من معرفته بالثابت وغير الثابت من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، وهذا أمر يستوجب دراسة الأسانيد مع دراسة المتون، نحن لا نقول بدراسة الأسانيد فحسب، ونعول على الأسانيد ونهمل دراسة المتون، وهذا عيب وقع فيه كثير من المحدثين، عولوا على دراسة الأسانيد ولم يدرسوا المتون. المتون ونقدها أمر لا بد منه حتى يفهم الإنسان ما هو الثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، مع حمل هذه الروايات على المحامل الصحيحة باعتبار اللغة العربية وباعتبار قواعد أصول الفقه وباعتبار مقاصد الشريعة أيضا، لا بد من حملها على المحامل الصحيحة.