⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك. أما بعد، فإن هذا الذي تشيرون إليه في السؤال إنما هو امتداد لنواميس الله تعالى في أرضه؛ فإن حكمته جل وعلا قد اقتضت أن يكون التدافع بين أهل هذه الأرض، بين صالحهم وفاسدهم، بين مؤمنهم وكافرهم، بين تقيهم وفاجرهم، سنة ماضية.
وبهذا التدافع يكون تميّز الحق عن الباطل، والهدى عن الضلال، والصواب عن الخطأ. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد وطّأ نفوس المسلمين لمعرفة هذه السنة، والتمسك بمبادئ الحق، وهداية الناس جميعًا إلى نور هذا الدين القويم، وتحقيق ما يجلب لهذه الأرض، وللإنسان فيها، الصلاح، وتجنيبه الضرر والفساد، وتبليغ هذا الإنسان في الدار الآخرة ما يحقق له السعادة.
وهذا نجده في كتاب الله سبحانه وتعالى حينما كلّف هذه الأمة أن تدعو الناس جميعًا إلى هذا الدين الحق بقوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104]، وبقوله سبحانه وتعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. نعم، وهذا يعني أن سائر الناس في هذه الأرض إنما هم –كما يقول علماء الإسلام– من أمة الدعوة، أي الذين يجب أن يوصل إليهم المسلمون المؤمنون الذين استجابوا لهذا الدين أن يوصلوا إليهم أنوار هذا الصراط المستقيم، وهداية هذا الدين القويم.
مما يعني أن الصلة بينهم وبين كل من في هذه الأرض هي صلة مبنية على ما تستوجبه الدعوة الإسلامية من مواقف، ومن علاقات، ومن نظم، ومن وسائل تنتظم حياة الناس لأجل تحقيق هذا المقصد والغاية. فلا معنى لكون سائر الناس ممن لم يستجب لدعوة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لكونهم من أمة الدعوة، إلا تحميل هذه الأمة أن تؤدي رسالتها، وأن تظل متمسكة بتبليغ هذه الرسالة إلى الناس كافة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
وفي سبيل تمكّن المسلمين في علاقاتهم مع غيرهم ممن لم يصله نور هذه الدعوة، أو ممن لم يستجب لها طوعًا وتنَكَّب عن طريق الحق والهدى والنور، فإن مما عُرف به المسلمون أن سنة هذا التدافع سوف تقتضي منهم مواجهة الكثير من المكائد التي يحاول منها هؤلاء الذين تنكّبوا أن يتنقّصوا من دينهم ومن مقدساتهم، وأن يكيدوا بهم المكائد، وأن ينصبوا لهم الدوائر؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186]، ويقول: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109]، ويقول: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: 69].
فهذه التوطئة والتهيئة لنفوس المسلمين هي لأجل ألا يُفاجَئوا حينما يؤدون واجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولئلا يؤثر ما يواجهونه من مكائد أعدائهم ومن المتربصين بهم في معنوياتهم، وفي نفوسهم، وفي مراميهم النبيلة ومقاصدهم السامية التي يريدون تحقيقها في هذه الأرض؛ لأن الله عز وجل كلّفهم تشريفًا بذلك، وأمرهم بها، وبيّن أنهم أهل مبادئ تقوم على أساس قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181]. نعم.
إذن هذه سنة التدافع، مهما قدّمت ما قدّمت من محاولات التقريب ستظل الأمور كما هي: هي نظريات. نعم، وما أشرتم إليه في السؤال إنما كان نظرية في مقابل نظرية راجت وانتشرت، ويبدو أنه يراد لها التطبيق؛ إذ لا مجال اليوم للقول بأن هذه الأعصر المتأخرة تشهد حوارًا للحضارات، بل تشهد ما نَظَّر له الأعداء الذين يكيدون للإنسانية جمعاء من صدام بين الحضارات، ولا يقصدون به إلا افتعال أزمات وصدامات بين المسلمين وغيرهم.
ولهذا، أو من أجل هذا، فإن الذي حدا بهؤلاء إلى إثارة مثل هذه النعرات، وإلى التنقّص من مقدسات هذا الدين، وإلى وضع العوائق في سبيل الدعوة الإسلامية ووصولها إلى الناس كافة، هو أمر يدعو المسلمين إلى الاعتزاز والافتخار لو أدركوا ما وراء هذه الحملات؛ نعم، إذ لو كان المسلمون في ضعف وذلة كما يصوِّر كثير من الناس حال الأمة اليوم، لما اشتغل أعداؤنا بنصب هذه المكائد، بل لما اشتغلوا بنا أصلًا، إلا أن القوة الكامنة في هذا الدين، وما يحمله كثير من أبناء هذه الأمة من جهد مخلص يبلّغون به الدعوة، وما هيّأه الله سبحانه وتعالى في نفوس العباد حينما تجد ما يوافق فطرها، وحينما تجد في هذا الدين ما يلبّي لها رغباتها وما يحقق لها السعادة وما يبصّرها بحقيقة وجودها في هذه الحياة، تتوافد عليه أفواجًا.
كل هذا هو الذي دفع أيضًا بأعداء هذا الدين وبأعداء الخير للإنسانية في هذه الأرض أن ينصبوا المكائد، وأن يقيموا حالة من العداء والصراع مع الإسلام والمسلمين ومع أهل هذه العقيدة. ولهذا فإن على المسلم أيضًا أن يستشف من وراء هذه الظلمات أن وراءها فجرًا، وأن وراءها نورًا بإذن الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم لو كانوا كما يظن بعضهم –أو كما يظن كثير منهم للأسف الشديد– ممن لا يُعبأ بهم، لما اشتغل بهم عدوّهم، لكن اشتغال العدو دليل على تخوّفه مما لدى هذه الأمة، ومما تشتمل عليه من مبادئ، ومن جوهر هذا الدين، ومن مشاعل هذه الهداية وصلت إلى عقر دارهم، وحملها من أبنائهم ومن بني جلدتهم، ممن ينتسبون إلى حضارتهم وإلى ثقافتهم. نعم، وهذا يدعو إلى أن يتفاءل أيضًا المسلمون بمستقبل واعد مشرق بإذن الله سبحانه وتعالى؛ لأنه جل وعلا قد تكفّل بأن يتمّ نور دينه ولو كره الكافرون.