⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، ليس له ما يبرّره شرعًا، وإنما هو فهم خاطئ وتأويل بعيد لبعض ما يتوهّمه هؤلاء من نصوص شرعية؛ إذ إن الانتقام ليس من أحكام هذا الدين.
على اعتبار المخاطَبين بها –أي من حيث المكلَّفون بها– فإننا سوف نجد أنها تنقسم إلى نوعين اثنين: أما النوع الأول فهو ما خوطب به عموم المسلمين، عموم الناس ممن كُلِّفوا بعبادة الله سبحانه وتعالى بعد توحيده، وأداء ما افترض الله عز وجل عليهم من الحقوق العامة التي أُمروا بها. وأما النوع الثاني فهو ما خوطب به ذوو الولايات بحسب أنواع هذه الولايات؛ فما يتصل بإقامة الحلول، وبالفصل بين الناس –ما نعرفه نحن اليوم بالأنظمة القضائية– ونَصْب الأحكام بينهم، وإعلان حالات الحرب والسلم، وإبرام الاتفاقيات والعهود والمواثيق، وحفظ الحوزة، وحماية بيضة الدولة وبيضة الإسلام، كل هذه الأحكام وما أشبهها إنما خوطب بها ذوو الولايات العامة، فهي ليست موكولة إلى الناس إلا من خلال أولي الأمر.
فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. حتى إن كثيرًا من المفسرين يعدّون أو يسمّون هذه الآية آية الحكام أو آية الأمراء؛ لأن الخطاب من حيث الأصل فيها متجّه إلى هؤلاء الذين حُمِّلوا هذه الولايات، ولايات الفصل بين الناس ونصب الأحكام الشرعية.
نعم، في حالة المدافعة، في حالة العدوان على المسلم، فإنه يجوز لهذا المعتدى عليه أن يدافع، والدفاع عن النفس أمر أقرّتْه هذه الشريعة كما أقرتْه الأنظمة الوضعية اليوم، وقد يمتد أمد هذا الدفاع عن النفس، لكن هذا لا يعني الخروج عن الدفاع عن النفس؛ فمصطلح الانتقام لا وجود له؛ لأن اللجوء حينها إنما يكون –حين فوات الدفاع عن النفس– إلى الأحكام القضائية.
ولهذا شدّد العلماء كثيرًا في فوضى إسناد أمر الحدود والعقوبات، وإعلان حالة الحرب والسلم، وإبرام الاتفاقيات، وتنصيب النفس باسم الأمة والإسلام والمسلمين، حينما يتولاّه الناس دون الرجوع إلى حاكم شرعي عادل.
هذا فيما يتصل بالتأصيل الفقهي. نعم، كيف إذا كنا نجد أيضًا أن في كلام الفقهاء –مما يتصل بهذه القضية– أنهم يغلِّطون حتى على الحاكم العادل حينما يرتكب جندي في حالة المواجهة ما يوجِب الحد؛ فإنهم بين موسِّعٍ له –أي لولي الأمر، للحاكم العادل– في إقامة الحد، فيُوَسَّع له في تأخير إقامة الحد مراعاةً لمصلحة أعظم، ودفعًا لمفسدة ظاهرة، وهي خشية أن يلتحق هذا الذي وقع في موجب الحد بجيش العدو، أو أن يكون عينًا لهم ثأرًا لنفسه، أو أن يورث ذلك خللًا في صفوف المسلمين.
رأوا أن له –لولي الأمر– باتفاق العلماء… هناك خلاف حول ما هو أفضل وأحق في مثل هذه الحالة، لكن الجواز هو أمر مجمع عليه بين الفريقين: بين القائلين بأن له أن يؤخِّر إقامة الحد، وبين من يرى بأن عليه أن يقيم الحد؛ يقولون: إن الجواز –مع وجود هذه المصلحة ومع توخّي دفع ما هو أعظم من مضرة– أن له أن يؤخِّر، نعم، لا أن يمنع إقامة الحد، وإنما أن يؤخِّر ذلك إلى حين استتباب الأحوال وأمن هذه الفتنة وأمن الضرر؛ مصلحة استراتيجية. هذا فيما يتصل بوقت المواجهة تحت راية حاكم عادل، تحت راية حاكم شرعي عادل.
ومع ذلك فإننا نجد أيضًا أن أصحابنا الإباضية –وهو ملحظ قلَّ ما تعرّض له فقهاء المذاهب الإسلامية– لا يرون أن من حق الحاكم الجائر، أو الحاكم الذي ليس بحاكم شرعي، ليس من حقه أن يقيم الحدود؛ مخافةَ إحداث الفوضى والتعدِّي فيها وتضليل الناس واتباع الهوى في العقوبات، لا يرون أن من حقه أن يفعل ذلك، حتى إنهم في المقابل يلزمون الأمة بنُصحه، وأطْرِه على الحق أطرًا، وتوجيهه، وإسدَاء النصح له، وأطرِه على إقامة العدل ونصب الشورى وقبول الحق، وقبول مراقبة الأمة لما يبسُطه في حُكمه.
نعم، في مقابل رفعهم جواز إقامته للحدود فإنهم يُلزمون الأمة بهذا الواجب الشرعي. نعم، إذا كل هذه المداخلة الشرعية… ولا نجد في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه –أو في سيرة أيضًا صحابته الكرام رضوان الله تعالى عليهم، وهم الذين عاصروا نبينا عليه الصلاة والسلام، وكانوا في الفترة التي يتنزّل فيها الوحي عليه صلى الله عليه وآله الصلاة والسلام– لا نجد حوادث الاغتيال والانتقام، مع أن الأعداء كانوا ينصبون لهم المكائد؛ نعم، وإنما كانت الحرب التي يقيمونها، وكان إعلانهم للقتال مبنيًّا على الأحكام الشرعية والضوابط الشرعية والخلقية التي يأمرهم بها دينهم.
وفي صدارة ذلك وجوب الإنذار –وهو للأسف الشديد مما أغفله المسلمون اليوم–؛ فإن الإنذار شرط، أي الإعذار إلى العدو وإنذاره بالمقاتلة؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58]، وقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 57]، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُنذر من يقاتلهم، وفي سراياه وغزواته، وفي البعوث التي كان يبعث بها، كان يؤكِّد على قادة هذه السرايا أن يُنذروا الأقوام والقرى التي يصلون إليها. واليوم لا نجد أن هناك من يلتفت إلى هذا الشرط الواجب شرعًا، ويتأوَّل بتأويلات بعيدة عن أحكام الفقه الإسلامي.