مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

عمر والمصلحة وتقييد النص

ما رأيكم في اعتبار بعض المفكرين المعاصرين عمر بن الخطاب رائدًا في التفكير المصلحي المقيد للنصوص، مثل منعه الزواج بالفارسيات خوفًا من الكساد في الجزيرة؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا فيه كثير من المبالغة، فإن كان الحديث عن عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعده، أي بعد وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، فالأولى أن يمثل لذلك بأبي بكر الصديق في حروب الردة، نعم، فإنه رضوان الله تعالى عليه – مع ما كان من موقف طائفة من صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم، وفيهم عمر بن الخطاب – اتخذ موقفا حازما تجاه أولئك الذين ارتدوا عن هذا الدين، وحاربهم حتى أعادهم إلى هذا الدين. نعم، هذا هو من المواقف التي كان ينبغي أن يُستشهد بها بداية: حرب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه للمرتدين، فلا أعرف لماذا يُطرح هذا المثال. ثم جمعه للقرآن أيضا، لكن أين تقييده للنص؟ لا، نحن نُعمِل يعني الجواب هنا، لأنه ليس هنا تقييد للنص، وإنما هو إعمال للنص، أعمل اجتهاده في تطبيق هذا النص مراعاة لمصلحة أعظم، وهي حفظ حوزة هذا الدين ومنع التنقص منه بخروج هؤلاء المرتدين. نعم، ومع ما كان عليه حال كثير من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على هذا أيضا – لأسباب ومصالح وجيهة كانوا يتوخون – إلا أن إصراره وحزمه في هذه القضية، ثم موافقتهم له بعد ذلك، أثبت بعد نظر الصديق رضوان الله تعالى عليه. وكذا الحال في حادثة جمع المصحف بعد حروب الردة وبعدما قُتل كثير من القراء واستشهد كثير من القراء ومن حفظة الوحي رضوان الله تعالى عليهم، فإن عمر بن الخطاب اقترح عليه أن يجمع المصحف، واستشار أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه سائر الصحابة، فتبين له رُشد هذا الرأي، فأخذ به وعمل به. نعم، لننتقل الآن إلى عمر بن الخطاب، نعم، لا ريب أن الفاروق رضوان الله تعالى عليه كان ثاقب البصر، كان يرى بنور الله عز وجل، كان شديد الخوف من الله تبارك وتعالى، عميق الفقه في دين الله عز وجل، ولذلك فإنه أعمل اجتهاده وأعمل نظره اجتهادا في طائفة من الأحكام الشرعية، ولا يقال بأنه عطّلها، لكن أيضا لا أعرف سر هذه الانتقائية. نعم، ألم يكن عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه هو الذي جلد الخمر ثمانين جلدة؟ بإجماع كُتّاب السير وعلماء الفقه والشريعة أنه هو الذي فعل ذلك، فلم لا يُذكر هذا المثال؟ كم كان النصيب المقدّر؟ كانوا يعني الروايات تشير إلى أنهم كانوا يضربونه بالنعال والجريد وما تحصل لديهم، ثم ضُرب – جُلد شارب الخمر – أربعين، ثم قال عمر بن الخطاب: أرى أنه إذا سكر هذى، وإذا هذى قذف، فيُحد ثمانين، فأجمع صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، فلا أعرف لماذا لا يذكر هذا المثال. نعم، المواقف التي تُذكر عن عمر، ثم الفتوحات الإسلامية وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية، ومحاربة فارس المجوسية في ذلك الوقت وبلاد الروم الكتابية في ذلك الوقت، نعم، لتوسيع رقعة بلاد المسلمين وإيصال هذه الدعوة إلى الناس كافة، أيضا لا أعرف لماذا لا يُستشهد بها، لا سيما في واقعنا المعاصر اليوم أو مع كثير ممن يحتجون باجتهادات عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه في غير سياقاتها الصحيحة. وهنا آتي إلى هذا المثال الخاص: ولم يمنع المسلمين من الزواج بالفارسيات للعلة المذكورة في السؤال خطأ، وهو لأجل كساد في الجزيرة، كساد في الجزيرة؟ لا، هو منع المسلمين من الزواج بالكتابيات حينما كانوا في غزواتهم، فمنعهم لا سيما القدوات منهم والرؤساء والأمراء وقادة الجند، أيضا فهما ثاقبا لمراعاة مصالح عموم نساء المسلمات، نعم، سواء كن من نساء الجزيرة أو كن خارج الجزيرة العربية. نعم، أما فعله أيضا مما يذكر كثيرا في عام الرمادة – إن ثبت، لأن بعض المحدثين يضعّفون هذه الرواية – هو أيضا ليس من باب تعطيل النص، وإنما هو من باب درء الحد حينما لم يقم الحد على السارق، نعم، فإنه إنما كان لأجل المجاعة، والحدود تُدرأ بالشبهات، إعمالا لنص آخر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال: «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، نعم، ولم يفعل ذلك في مقابل – اعتراضا على النص في مقابل النص، وإنما فعل الذي فعله اجتهادا في النص، من روح هذه الشريعة. وكذا الحال حينما منع بعض المؤلفة قلوبهم من الزكاة، فإنه فهم أيضا أن ذلك إنما كان في عهدٍ في وقت كان الإسلام فيه ضعيفا، وكانوا بحاجة إلى تأليف هؤلاء، أما اليوم – فقد ذكر بنفسه – أصبح الإسلام عزيزا وقد بذل، فلا حاجة إلى تأليف هؤلاء. ولهذا فإن أخذ بمثل هذه الاجتهادات وأعملها في المقابل، لم يفهم أحد من الصحابة ولا ممن جاء بعد عمر بن الخطاب أن الفاروق رضي الله تعالى عنه ألغى هذه الأحكام الشرعية؛ فعمر بن عبد العزيز رضوان الله تعالى عليه سار أيضا سيرة جده الفاروق رضوان الله تعالى عليه حينما أعمل اجتهاده، نعم، فأجرى في وقته للمؤلفة، لها اعتبارها أيضا. إذا هذه النماذج من سيرة عمر بن الخطاب كلها تشهد على ما تقدم من أن مراعاة المصالح واستخراج هذه المصالح والبحث فيها والنظر فيها وإعمالها في الأحكام الشرعية إنما يستدعي كل الضوابط والشروط المتقدمة، أما أن يقال بانتقائية تُنتقى بعض هذه الأمثلة دون بعض، أيضا للأسف الشديد يَجرّ ذلك إلى القول بتاريخية النص وبتحكيم المصلحة في مقابل النص، فهذا مما لم يقل به أحد من علماء هذه الشريعة، وهو في الحقيقة انسلاخ من هذا الدين ومن الشريعة وضوابطها، بل ومن المنهج العلمي السليم؛ لأن المنهج العلمي السليم يقوم – حتى في دراسة هذه الاجتهادات العمرية – نعم، دراسة واعية توازن بين كل هذه المواقف، وتنظر أيضا في النصوص الشرعية التي اعتمد عليها عمر رضوان الله تعالى عليه وغيره من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لأن هناك نماذج كثيرة أيضا حصلت في عهده كعدم تقسيم أراضي العراق، فإنه أوقفها – سواد العراق – أوقفها، وراعى في ذلك مصلحة ذرية المسلمين التي تأتي من بعد، الأجيال اللاحقة، فلم يقسم هذه الغنائم، لم يقسم هذه الأراضي، وإنما تركها لذراري المسلمين من بعد الفاتحين. فهناك جملة من الاجتهادات كلها لابد من النظر فيها في إطارها أيضا. جيد، وهذا الموضوع يحتاج إلى توسعة كبيرة جدا، لأن إذاً ليس هناك تعطيلًا، وليس هناك تقييدًا، إنما هناك إعمال للمصلحة وفق الضوابط التي حُدِّثت، إعمال لسائر أيضا النصوص الشرعية؛ كل هذه إنما كانت فيها نصوص شرعية ثبتت في أدلة أخرى غير الدليل الذي يذكرونه، وهو قطعا أيضا مراعاة للمصالح الشرعية، لكن هذه المصالح مصالح شرعية معتبرة، مصالح معتبرة شرعا، تحققت فيها ضوابط المصلحة كما تحققت في القائل بها المجتهد فيها شروط الاجتهاد.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢٩‏/١٢‏/٢٠١٤👁 3 مشاهدة
🎬

رعاية الشريعة للمصالح - د. كهلان بن نبهان الخروصي HD

أصول الفقهسنة النبوية

✦ فتاوى مشابهة

منع الزواج من الكتابيات للمصلحة

1 👁

هل منع عمر بن الخطاب بعض المسلمين من الزواج من الكتابيات يُعد تقييدًا لنص الإباحة أم هو من باب المصلحة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٩‏/١٢‏/٢٠١٤

هل أحد معصوم من النصح

2 👁

هل يبلغ بعض الناس من التمسك بفضائل الأعمال مع قلة الفقه درجة يكون معها معصوماً من النصح وغنياً عن أن يؤمر بمعروف أو ينهى عن منكر؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

القراءة التاريخية للقرآن

2 👁

ما رأيكم في التوجه الذي يحصر آيات القرآن في زمن نزولها ولا يمد أحكامها للعصور اللاحقة، وهل يتأثر بمثل تفسيركم للآية السابقة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٧‏/٦‏/٢٠٢٠

القراءة التاريخية للقرآن

4 👁

ما رأيكم في التوجه الذي يحصر آيات القرآن في زمن نزولها ولا يمد أحكامها للعصور اللاحقة، وهل يتأثر بمثل تفسيركم للآية السابقة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

زواج المتعة وتحريمه

16 👁

قيل في إحدى القنوات إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحرم زواج المتعة وإنما حرمه الخليفة عمر بن الخطاب، فما صحة هذا الكلام؟

👤سعيد بن مبروك القنوبي
٨‏/٥‏/٢٠١٢

حكم كتاب تحفة العروس

2 👁

ما رأيكم في كتاب (تحفة العروس)، وهل ينفع في تحقيق الانسجام والمودة والرحمة بين الزوجين للمقبلين على الزواج؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٠‏/٦‏/٢٠٢١