⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الآية ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ بينت لنا وصف هؤلاء، وهو نهي للنبي صلى الله عليه وسلم أن يحزن مما يكيد به الذين يسارعون في الكفر؛ ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾، لماذا لا تحزن؟ لأن ما يصنعه هؤلاء من المسارعة في الكفر لن يضر الله شيئا، ولن يضر دينه، ولن يضرك يا محمد صلى الله عليه وآله الصلاة والسلام. فهي تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتبشير بعاقبة الدعوة، وأن كيد هؤلاء ضعيف، وهو كشف لما عليه حال هؤلاء المشركين المناوئين.
فالله تعالى يقول: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾، «لمن»؟ يريد الله ألا يجعل لهم، لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر، جزاءً بما اقترفوه. فلا يُشكل: كيف يريد الله تبارك وتعالى ألا يجعل لهم حظا في الآخرة في هذه الآية الكريمة؟ لأن ذلك هو المناسب لفعلهم، فهو جزاء من جنس فعلهم؛ هؤلاء يسارعون في الكفر، ويقصدون – كما يبين لنا القرآن الكريم – الإضرار بدين الله تبارك وتعالى وبنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وبدينه، ولذلك قال: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ ثم بيَّن عاقبتهم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾.
هل هذه الإرادة هي إرادة جبر؟ أبدًا، هي ليست إرادة جبر، هي إرادة؛ لأن كل ما في هذا الكون، وكل ما يحصل فيه من خير وشر لا يحصل إلا بإرادة من الله تبارك وتعالى، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، وقال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، لكن ذلك إنما يكون باكتساب هذا العبد، بكسب هذا العبد، وبانفعاله مع موجبات الغواية والضلالة، وإعراضه؛ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
فإن كانوا مصرِّين في إعراضهم، متمسكين بما هو معارض مخالف لدين الله تبارك وتعالى ودعوة الحق، فإن هؤلاء بما اكتسبوه وقارفوه، يريد الله تبارك وتعالى أن يغويهم بذلك: لا حظَّ لهم ولا نصيب لهم من الخير؛ لماذا؟ لما تشربت به نفوسهم، وتشبعت به قلوبهم، وساروا عليه من مسلك الإعراض عن دين الله باختيارهم وإرادتهم، فالله تبارك وتعالى علم منهم ذلك، وكتب عليهم ذلك؛ لأنه كسبٌ لهم واختيار.
هذا هو المقصود لفهم هذه الآية، ولفهم ما يتعلق بمثلها من المواضع التي فيها أن ذلك بإرادة من الله تبارك وتعالى. لا ريب أنه بإرادة من الله عز وجل؛ فالإرادة في حق الله تعالى صفة ذات، وهي تدل على قدرته جل وعلا، وأنه لعزته وجبروته في مملكته وفي خلقه جميعا، فإنه لا شيء يحصل دون إرادة منه تبارك وتعالى، وعلمه سابق بما يقع من العباد؛ لأنه علم منهم ذلك، علم منهم أنهم سيكسبونه ويختارونه ويفعلونه.
وأما الحزن: فالحزن ليس هو مقابلا للخوف؛ الخوف مختلف، والحزن شيء آخر. الحزن هو حالة ضيق الصدر التي تعتري العبد مما يواجهه، فيحزن، ينفطر قلبه ويَأسى، وهذا وجدناه – يعني حكاه الله تبارك وتعالى عن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وحكاه عن عدد من الأنبياء – أنه يصيبهم الحزن.
الخوف شيء، والحزن شيء آخر؛ فالخوف هو اضطراب النفس بسبب القلق وبسبب الخشية من عواقب أمر ما، لكن الحزن هنا الذي يرشد الله تبارك وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم إليه، وينهاه عنه إرشادًا: هو ضيق الصدر الناشئ عن عدم الاستجابة، وعن الخوف على دين الله عز وجل وأهل هذا الدين من أن يصيبهم سوء أو مكروه، فالله تبارك وتعالى يطمئن نفسه، وينهاه من أن يستبدَّ به الحزن خوفا على دين الله عز وجل، وخشيةً أن لا تبلغ دعوته إلى سائر الخلق، فيطمئنه ويذهب عن نفسه الأحزان.
والله تعالى أعلم.