⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الشهادة لها شروطٌ تتعلَّق بالشاهد، وبذاتِ المشهودِ عليه، فلا يكفي أن يُلتفَت إلى تحقُّقِ الشروط في الشاهد، بل لا بدَّ من توافر الشروط في المشهود عليه؛ فإذا كان الذي يُشهَد عليه أمرًا مستحيلاً، مخالفًا للعلم، مناقضًا للحقيقة، فإن هذه الشهادة تُرَدّ.
وهذا أمرٌ مضطَّرد في أحكام الشهادات مطلقًا، لا يقتصر الأمر على ما يتعلَّق بالشهادات المُبلَّغة عن رؤية الهلال في مكانٍ ما، وإنما هو أمرٌ مضطرد قرره علماء الإسلام، وبيَّنوا أنه إذا كانت الشهادة مخالِفةً للواقع فإن شهادة ذلك الشاهد تُرَدّ، يُحسَن به الظن أنه متوهِّم، أنه أخطأ، أنه تعجَّل، لكن شهادته لا تُقبَل، وهذا مما نصَّ عليه العلماء كما تقدَّم.
فإذا كنا نتحدَّث عن الهلال، وكانت حقائق علم الفلك تؤكِّد استحالة رؤية الهلال، إمَّا لأنه اختفى قبل غروب الشمس، أو أنه كان مُصاحِبًا للشمس –وهذه حالة الاستحالة– فهذا يعني أن الهلال اختفى من الأفق قبل الشمس أو مع الشمس، فيأتي من يقول بأنه رأى الهلال في الأفق بعد مغيب الشمس؛ لا ريب أن هذا مخالفٌ قطعًا للحقيقة والواقع، وأنه واهم، وشهادته لا تُقبَل.
وإذا كان العلماء يقرِّرون –على سبيل المثال– أنه في العالم أجمع، منذ أن بدأ الرصد، وهناك مدةٌ زمنية بدونها لا يتأتَّى أن يُشاهَد الهلال، فلم يحصل أن رُصِد الهلال في أقلَّ من تلك المدة، ثم يأتي من يدَّعي أنه رأى الهلال في نصف تلك المدة، هذا وقتٌ تتعذَّر فيه رؤية الهلال، خصوصًا إذا اجتمعت شدة إضاءة الشمس مع قرب الهلال من الشمس، فإن هذه القرائن كلَّها تُضعِف من مثل هذه الشهادة.
ففي حالة تعذُّر رؤية الهلال أو استحالة رؤية الهلال لا يمكن أن تُقبَل الشهادات، لأن أصحابها لا ريب أنهم واهمون مخطئون، وهذه هي فائدة العلم.
فهذا ليس من الحساب –إذا كان بعض الناس يظن أن هذا من الحساب– لا، هو تُوصِّل إليه لا شك بحسابٍ دقيقٍ منضبط، كما هو الشأن في الأدلة التي تُنصَب؛ فمن ادَّعى –على سبيل المثال– أن الوقت وقتُ ليل، في حين أن كلَّ أحدٍ يرى أن الوقت وقتُ نهار، فإن إثبات الليل والنهار إنما قام أيضًا على حقائق علميةٍ بحساباتٍ دقيقةٍ منضبطة، إن لم يَقتصر بالمشاهدة، إن لم تكفه المشاهدة.
فمثل هذه الشهادة رَدٌّ، وإنما المقصود لما قلتُ بأن هذا ليس من الحساب –أي حساب التخمين وأن يُحمَل الناس على الحساب– لا؛ هذه استعانة، بل هو استدلال على ما قرره علماؤنا، علماء الإسلام في تاريخهم، مما تُرَدّ به الشهادات؛ فإنها تُرَدّ إذا كانت مخالفةً للواقع، وإذا كانت مخالفةً للحقيقة فإنها لا تُقبَل.
نعم، هذا هو المقصود.
والله تعالى أعلم.