⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى جعل الأهلة شعارًا يُفهم منه ميقات العبادات المربوطة بالأوقات، إذ الله سبحانه وتعالى جعل كل هلال من الأهلة علامة على دخول شهر معين من الشهور القمرية التي تُناط بها العبادات، فيناط بها الصيام، ويُناط بها الحج، وتُناط بها الزكاة، وتُناط بها عِدد النساء، وتُناط بها أحكام الإيذاء، وتُناط بها أحكام الضِّيار، وتُناط بها جميع الأحكام، أحكام الشرعية. يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189].
ولا ريب أن الهلال إنما سُمِّي بهذا الاسم لأن الناس يُهِلُّون عندما يروه، أي يرفعون أصواتهم بحيث يقولون: ذلك هو الهلال، ذلك الهلال، فتتراوح عن رؤيته.
وهذه الأهلة بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم كيف يُثبَت حكم رؤيتها، وكيف يُتوقَّف عن إثباته، فالنبي صلى الله عليه وسلم في بيان أقدس عبادة من هذه العبادات التي تُناط بهذه الأهلة، وهي عبادة الصيام التي يشترك فيها المسلمون والمسلمات جميعًا، يقول: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين»، نعم، قال صلوات الله وسلامه عليه: «فأكملوا العدة ثلاثين» إذا غُمَّ عليكم، أي إذا حال بينكم وبين رؤيته حائل بحيث لم تتمكنوا من رؤيته، فإنكم تُكمِلون في هذه الحالة العدة ثلاثين. وجاء في بعض الروايات: «لا تصوموا حتى ترَوه، ولا تُفطروا حتى ترَوه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة».
فهكذا النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بأن نصوم لرؤيته، وأن نفطر لرؤيته، فإن غُمَّ علينا الهلال لسبب أو لأسباب أخرى، فإنه يجب أن يُمسَك عن الصوم أو يُمسَك عن الإفطار، أي يُمسَك عما يتعبد الناس به عند رؤية الهلال.
وبناءً على هذا التوجيه النبوي فإن الأمة ذهبت سلفًا وخلفًا إلى أن الصيام والإفطار إنما يُناط برؤية الهلال، ووُجد في المتقدمين من يقول من هذه الأمة بأن الصيام والإفطار إن لم يُر الهلال يُرجع فيه إلى الحساب الفلكي، هذا القول قاله مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وهذا القول أعرض عنه جمهور العلماء، ولم يروا الأخذ به نظرًا إلى أن هذه العبادة عبادة مشتركة يشترك فيها الصغير والكبير، والغني والفقير، والمرأة والرجل، والشاب والشيخ، والشابة والعجوز، والمتعلم والجاهل الأمي والكاتب، كل منهم يشترك في هذه العبادة، ولا ريب أنها عندما تُناط بشيء معروف يشترك في معرفته هؤلاء جميعًا يكون الأمر ذا يسر، بخلاف ما إذا نيط هذا الأمر بأمر لا يعلمه إلا قليل.
على أن الكثير من الناس راعَوا أيضًا أن الحساب الفلكي –بحسب ما كان عليه في ذلك الوقت– إنما كان مجرد تخمين. وعندما استجد ما استجد الآن من الاكتشافات العلمية، وأصبح علم الفلك علمًا يقينيًّا، ولم يعد مجرد تخمين كما كان من قبل، نظر كثير من العلماء إلى أن ضبط الشهادة بما يدل عليه علم الفلك بحيث يكون الفلك مقياسًا لقبول الشهادة ورفضها أمرٌ لا بدَّ منه، هذا الذي رآه كثير من أهل التحقيق في وقتنا هذا.
ونحن أخذنا بحمد الله بهذا الأمر، فنحن لم نجعل علم الفلك عليه المعتمد وحده بحيث نُلغي ما دل عليه الحديث ونُبطِل الاستطلاع، استطلاع رؤية الهلال، وإنما جمعنا ما بين الأمرين: ما بين الأخذ بالنص، وما بين تقويم الشهادة وترشيد هذه الشهادة وضبط هذه الشهادة، وضبط هذه الشهادة بما يدل عليه علم الفلك؛ فإنه إن كان علم الفلك دالًّا على امتناع الرؤية واستحالة الرؤية، فلا ريب أن الأخذ بالشهادة في هذا الأمر يكون متصادمًا مع ما يدل عليه العلم اليقيني، فإن الشهادة مهما كانت هي شهادة ظنية، إذ الشاهد والشاهدان، بل والشهود قد يخطئون، قد يرَون شيئًا يشبه الهلال فيتصورونه هلالًا، وهذا وقعنا فيه بأنفسنا… نعم، قبل بضع سنين كانت هنالك شهادة من أحد عشر شخصًا قالوا بأنهم رأوا هلال شهر شوال، وقالوا بأنهم أيقنوا أنهم رأوه، وكان علم الفلك يدلنا دلالة قاطعة على امتناع هذه الرؤية، ونحن ألغينا قول هؤلاء الجماعة، ولم نأخذ بشهادتهم مهما كانت عدالتهم، ومهما كانت الثقة بهم؛ لأن قولهم يبقى أمرًا مظنونًا فحسب لا يرقى إلى درجة اليقين، إذ ربما تراءى لهم شيء ظنوه هلالًا ولم يكن بالهلال… بهذا يتبين أن التعويل على الحساب الفلكي في ضبط الشهادة من غير إلغاء للشهادة، ولكن في ضبط الشهادة حتى تكون هذه الشهادة يقينية، أمرٌ لا بد منه، فهذا أمر يجب أن يكون على البال، وقد أخذنا به، ووفق الله تعالى السلطنة للأخذ بهذا النظام، وقد مال إليه الكثير، وأنا سمعت بأن هنالك توجهًا من قبل كثير من الحكومات الآن إلى الأخذ بهذا، ونرجو أن تُضبَط بهذا شهادة رؤية الأهلة بعون الله تعالى وتوفيقه، بحول الله تعالى.