⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
تَسْعَد الأمم وتنهض الأوطان إن التزمت الرفق؛ بمعنى اختيار ما فيه يسر، والبعد عمَّا فيه كُلْفة، والنظر في حقائق الواقع ودراستها دراسةً جيدة، ووضع الخطط والدراسات بناءً على الإمكانات والمعطيات المتاحة.
هناك حديث شهير –وهو من المناسب أن نختم به– والحديث لا يقتصر معناه وفائدته على الواقعة التي فيها، بل هو مبدأ أرساه لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحقِّق لنا الأمن الفكري، هذا الأمن الفكري هو النواة لاقتصاد مزدهر نامٍ مستقر يجلب رؤوس الأموال، وينمِّي ثروات الناس، ويدفعهم إلى التثمير.
الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لابن عباس –وهو صبي غلام–: «ائتني بحصياتٍ يوم العقبة» ليرمي بها الجمرة، فأتاه ابن عباس، أتاه بحصى… الحصى المناسب، مثل حصى الخذف –نعم، متوسط– فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعجبه، وقال: «بمثل هذا فارْموا، وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم غلوُّهم في الدين»، وفي رواية: «يا أيها الناس، إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بغلوِّهم في الدين».
الآن قد لا يتناسب –ليست هناك مناسبة تدعو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى التحذير من الغلو، وبيان مغبَّة الغلو، وأنه قد يكون سببًا في هلاك الأمم– المناسبة يسيرة: أن يرمي الجمرات بالحصى المناسب، فلما أُتي بالحصى المناسب إذا به يحذِّر أمَّته من هذا الغلو؛ إذًا هنا معرفة الواقع، واغتنام الفرص هي التي تقي المجتمعات، هي التي تحصِّن فكر المجتمع، هي التي تحقِّق ما يُعرَف بالأمن الفكري الذي هو النواة للأمن الشامل.
حينما يحصل ذلك يزدهر الاقتصاد، ينعم الناس، يعمُّ الرخاء، وهذا لا يعني أنه لا يؤخذ بالحزم، ولا يُنظر في الواقع، ولا يُلتفت إلى الظروف والأحوال، وإلى الصعوبات والتحديات التي تواجه الأمم والشعوب، وإنما يُتعامل معها وفقًا لهذا المبدأ الذي هو مبدأ عام يشتمل على كثير من الأسس؛ كما تقدَّم: إن فيه إيثارًا للمصالح الكبرى، وتقديمًا لما فيه توسعة وتيسير للناس، وبصيرةً بالحقائق التي تُقدَّم للناس بصدق مترفَّق فيه، يُخطَّط بناءً على ذلك.
فلا يمكن –وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكرمنا بدعائه– حينما نترفق بالناس، حينما نترفق في معاملاتنا المالية بيعًا وشراءً واقتضاءً، فننال بذلك بركة دعائه عليه الصلاة والسلام، وما أعظمها من بركات تنعم بها البلاد والإنسان والحياة كلها.