⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فالجواب أن ما ادعاه أهل الكتاب من نسبة أنفسهم إلى الله تبارك وتعالى بالبنوة مختلف تماماً عما وُجد في الأثر من قول: إن الخلق عيال الله.
ومع أن هذه الرواية ليست رواية صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أي ليست حديثاً صحيحاً ثابتاً عنه عليه الصلاة والسلام، إلا أن معناها مقبول، وقد ذكرها عدد من أهل العلم من السلف والخلف في مدوناتهم وفي كتبهم وفي مقالاتهم، لأن معناها مستحسن مقبول.
فمعنى أن الخلق عيال الله: أي أنهم فقراء محتاجون إلى الله تبارك وتعالى، فهذا هو معنى العيال؛ فالعيال يدل على الاحتياج إلى الله تبارك وتعالى والافتقار إليه، وأنه هو الذي يقوم بشؤونهم، وهو الذي يرعى أحوالهم ويدبر لهم ما يحتاجون إليه، ففيها معنى الاستكانة والضعف والافتقار إلى الله عز وجل.
أما نسبة الولد إليه جل وعلا فهي غير ذلك تماماً؛ فالنصارى واليهود بنص كتاب الله عز وجل نسبوا أنفسهم إلى الله عز وجل بأحد معنيين: أما المعنى الأول فهو أن فيهم من ينسبون إلى الله تبارك وتعالى ولداً له، كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ [التوبة: 30]، فهم ينتسبون إلى من يدّعون أنهم أبناء لله تبارك وتعالى.
ويحمل المعنى الثاني، وهو أنهم فوق الخلق، وأنهم مصطفون مختارون من الله تبارك وتعالى، وأن من سواهم من بني البشر ليسوا مثلهم، وهذا غير صحيح.
فإن أريد بالبنوة معنى الافتقار إلى الله عز وجل، لا سيما في سياق الرد على هؤلاء الذين يزعمون هذه المزاعم، فهذا مما رخص فيه أهل العلم؛ أي إنه لا فرق، لا تمييز لكم عن غيركم بالمعنى المجازي، وهو أن الخلق كلهم لله تبارك وتعالى، منه المبدأ وإليه الرجعة، وهو رازقهم وخالقهم، وهو الذي يقوم بشؤونهم وهو الذي يدبر لهم أمورهم.
فبهذا المعنى، في سياق الرد عليهم وبيان المعنى المجازي المقبول، لا إشكال، وبهذا سيلتقي مع معنى: الخلق عيال الله، لكن هذا فقط في سياق الرد عليهم وفي بيان هذا المعنى المجازي، وهم قطعاً لا يقصدونه، وإنما يقصدونه أحياناً لدرء المبالغة أو لتحسين صورتهم.
ومع ذلك فإنه حتى في جملة: الخلق عيال الله، لا ينبغي الإكثار منها نظراً لأن الرواية التي وردت من عدة طرق، عند الطبراني وعند أبي يعلى وعند غيرهم، نظراً لأنها ضعيفة، ومن توسع من أهل العلم في استعمالها فإن السياق يبين المعنى المقصود، فمع ذلك كله لا ينبغي الإكثار منها مخافة اللبس على عموم الناس الذين لا فقه لهم.
وأما إن استعملت بما تقدم من معنى فلا إشكال فيه.
وأما لما قال اليهود والنصارى، لما رفع اليهود والنصارى هذه الدعوى، فإن ذلك إنما هو من الغرور والكبر والغلو في الدين، ومن ترفعهم عن أن يكونوا هم وسائر خلق الله تبارك وتعالى سواء، فأتوا من هذه الأمراض القلبية ومن الغبش الذي أصاب إيمانهم، ومن الخلل في عقيدتهم، ومن تحريفهم وتبديلهم لما أنزل عليهم، والله تعالى المستعان.
وفي الآية: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: 18]، هم يدّعون –بزعمهم– أن الله تعالى قد اصطفاهم ورفعهم وأجلّهم فوق الخلق، واكتسبوا شيئاً من صفات الألوهية.
وهؤلاء لم يدّعوا أنهم جميعاً ينتسبون إلى الله تبارك وتعالى، وإنما يقصدون أن منهم من هم أبناء لله كما تقدم في الجواب، ومن أجل ذلك فهم ينتسبون إلى من ينسبونه إلى الله تبارك وتعالى ولداً، فإن لم يكونوا أبناء فهم أحباء لله تبارك وتعالى، فإنه لا يعذبهم، وهذا ما صرّحوا به، أي إنهم صرحوا أنهم لا يعذبون، ومن أجل ذلك حذر الله تبارك وتعالى هذه الأمة من أن تحذو حذو الأمم السابقة من أهل الكتاب الذين ادعوا أنهم لا يعذبون بما يخالفون فيه ما أمرهم به ربهم تبارك وتعالى.
والله تعالى أعلم.