⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن هذه الوسائل أريد لها أن تقرِّب بين الناس وأن تحقق لهم منافعهم، وأن تسهِّل لهم شؤون حياتهم، ولا ينبغي الخروج بها إلى حد الإضرار أو إلحاق الأذى أو التسبب في شيء من الحرج أو أن تكون سببًا للانزعاج. فهي وسائل أريد لها الإعانة على الخير والتواصل بالمعروف.
ولذلك فإن ما يجري على أحكام عموم الصلة بين الناس يجري أيضًا على التواصل باستعمال هذه الوسائل؛ من حيث مراعاة الشكل والمضمون.
أما الشكل فأقصد به ما يتعلق بالوقت الذي يرسل فيه رسالته ليتلقاها الطرف الآخر، وما يتعلق بالألفاظ المستعملة، وما يتعلق بالمناسبات التي يرسل من أجلها تلك الرسائل. فينبغي الاعتدال بحيث يقتصر الأمر على ما لا ضرر فيه ولا أذى، وأن تكون الصلة باقية مستمرة مبنية على الخير والمعروف والإحسان، وعلى المودة والتعاطف والرحمة، دون أذى أو تثريب أو تضييق أو إزعاج. فيختار الأوقات المناسبة، ويختار الشكل المناسب، ويختار الظرف والحال التي يتوخى أن تكون أيضًا مناسبة.
وأما من حيث المضمون فلا بد أن يتأكد من صحة ما يكتبه؛ فقد ذكر السائل ما يتعلق ببعض الروايات الضعيفة أو ببعض التأويلات البعيدة لآيات كتاب الله عز وجل، فهذه لا يصح أن تُتداول. لا بد له أن يتثبت أولًا، حتى وإن كان قصده حسنًا بأن يقصد العظة من ترغيب أو ترهيب، فإن ذلك لا يصح أن يكون إلا بما هو صحيح من كتاب الله عز وجل أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولا يشفع له أن يقول بأنه تلقاها هكذا فأرسلها؛ فإن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا». فلا ينبغي له أن ينقل ما لا يعرف صحته، سواء كان ذلك من أدلة شرعية أو كان ذلك أيضًا من أخبار يمكن أن يتناقلها الناس وهي غير ثابتة ولا صحيحة ولا متثبت منها. فلا بد أن يتحقق من المضمون.
إذًا: ما يتعلق بالوقت والألفاظ المناسبة، ثم مضمون الرسالة؛ لا بد أن تكون محاطة جميعًا بسياج من مراعاة الطرف الآخر المتلقي، والأوقات المناسبة له، وعدم الإكثار إلى حد الإملال أو الإصابة بالسآمة، أو أن تكون كثرة إرسال الرسائل سببًا للنفرة والانزعاج؛ فهذا لا بد أن يُتَّقى.
والمتلقي أيضًا ينبغي له أن يحسن ظنه في إخوانه وزملائه، وألا يعاتبهم أو يثرب عليهم، لكن إن كثرت عليه أمثال هذه الرسائل وبلغت ما لا طاقة له به، فيمكن له أن ينبههم بالتنبيهات المناسبة وبالطريقة المناسبة، لا غضاضة في ذلك. وكذلك الحال بالنسبة للمضمون: إن رأى رواية أو تفسيرًا لا بد أن يقف عندهما، وأن ينبِّه عليهما المرسل، يفعل ذلك.
لكن لا ريب أنه لا لوم عليه إن كثرت عليه بحيث إنه لا يستطيع أن يرسل إلى كل أحد، فهذا من باب النصح فقط، لكن المسؤولية في المقام الأول تقع على المرسل.
وفعلًا ما أشار إليه المتصل من أن كثيرًا من الناس يستهويهم كثرة الإرسال. أما الذي يرسل رسائل مفردة للسلام والسؤال والاطمئنان؛ فهذا إنما هو من محبته، ومن رغبته في التواصل، وهذا أمر محمود. قد يأتي وقت على الإنسان يفقد فيه مثل هذه الرسائل ويتمنى أن لو يُبعث له أحد، ولعله يضيق صدرًا حينما لا يتواصل معه أحد؛ فهي نعمة من الله تبارك وتعالى، لكن ينبغي أن تُستعمل بالطريقة الصحيحة دون مبالغة، دون إفراط ولا تفريط، باعتدال، وأن يتحقق من المضمون.
والله تعالى أعلم.