⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
التقليد المذموم في كتاب الله عز وجل في مثل قوله جل وعلا: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: 116]، ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: 28]، هو فيما يتعلّق بأمر الدين والاعتقاد.
فهؤلاء يَعْمُون أبصارهم ويُعطِّلون ملكاتهم إمّا اتباعًا للهوى أو تقليدًا للموروث، ويُعرِضون عن قوارع الحجج والبراهين الساطعة التي تُنْصَب لهم للإيمان بالله واليوم الآخر، فيتّبعون الظنون والشكوك، ويُثيرون الريب فيما يأتيهم من حقٍّ من ربّهم تبارك وتعالى؛ يقول: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: 105]، فإذا بهؤلاء يُثيرون الشبهات ويرفعون الريب والشكوك حول ما أُنزل عليهم، وما أتاهم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حقٍّ من عند ربه، فذُمّوا من أجل ذلك.
ولذلك فإن مثل هذا التقليد الذي يشير إليه كتاب الله عز وجل من اتباع الظن هو في سياق الذم والمعاتبة لهؤلاء؛ لأنهم عطّلوا قدراتهم، وعطّلوا ملكاتهم التي وهبهم الله تبارك وتعالى إياها، واتّبعوا أهواءهم وشهواتهم وأعرضوا عن الأدلة والبراهين.
أمّا ما يتصل بالأخذ بأقوال أهل العلم، فإن القرآن الكريم يرشد إلى ذلك؛ قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. ونجد في القرآن الكريم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يَرْفعون إليه ما يَعِنّ لهم مما لا يعرفون حكمه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ [الأنفال: 1]، ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: 176]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: 189]، فالحاصل أننا نجد أنهم كانوا يرفعون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يشكل عليهم من أمور دينهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبيّن لهم بوحيٍ من عند ربّه جل وعلا.
هذا النوع من تبيُّن الحكم الشرعي، ومن اتباع الحكم بعد ثبوته وظهوره لهم، هو فِعلٌ محمود، وهو ما يرشد إليه القرآن الكريم، وما تُرشد إليه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس هذا من التقليد الأعمى، وليس هذا من التقليد أصلًا بالمعنى الأصولي؛ أي أن يكون المرء قاصرًا عن الاجتهاد في الأدلة الشرعية لاستنباط الأحكام.
هنا نحن نتحدّث عن مجتهِدٍ بحكمٍ شرعيٍّ قد بُيِّن له، ففي هذه الحالة لا يَسَعُه إلا أن يتّبع؛ احتياجه للعمل لا يَسَعُه إلا أن يلجأ إلى العالم ليبيّن له ويكشف له الحكم الشرعي، فإن كان هذا الحكم مبنيًّا على أدلةٍ من كتاب الله عز وجل ومن سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة، فإنه سيأخذ بقول ذلك العالم اتباعًا للدليل، ولأن العالم الذي أدّاه إلى ذلك القول هو من العلماء العدول الذين يحملون أمانة الدين وأمانة العلم، والعلم أمانة والدين أمانة.
فلو انقلب هذا العالم في يومٍ من الأيام، نقول: تحوّل عن الدين بالكلية، فإن هذا المقلِّد الذي أخذ منه الحكم الشرعي لن ينصرف؛ لأنه يستند إلى أدلةٍ شرعيةٍ اطمأنّ في ذلك الوقت إلى مصدرها، أخذها من مصدرها، ولا يَضيره بعد ذلك ما الذي يحصل لذلك العالم؛ فليس هذا من تقليد الرجال، إنما هو اعتمادٌ على ما في كتاب الله عز وجل وفي سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أن تكون العبادةُ على عِلم، وأن الجاهل عليه أن يتعلم وأن يسأل، وأن على العالم أن يبيّن ما عنده من علم، وأن يُفتيَ الناس بما آتاه الله تبارك وتعالى من علمٍ وفقهٍ وبصيرة؛ فكلا الأمرين منفصلان، والله تعالى أعلم.