⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
التقليد بالنسبة لغير المجتهد واجب؛ لأن هذا المقلد لا يعرف الحكم الشرعي، فبما أنه لا يستطيع التوصل إلى الحكم الشرعي فإنه يجب عليه أن يرجع إلى من يعرف هذا الحكم الشرعي ليأخذ بقوله.
والدليل على مشروعية التقليد بل وجوبه قول الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]؛ فالله عز وجل في هذه الآية قسم الناس إلى طائفتين: طائفة هي أهل الذكر، وهي المشار إليها في قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، وهم العلماء المجتهدون القادرون على استنباط الحكم الشرعي من دليله، وهذه الطائفة الثانية التي لا تعلم، أُمرَت بالرجوع إلى هذه الطائفة التي تعلم وسؤالها.
ولا شك أن الأمر لا يقتصر على مجرد السؤال، وإنما المراد به الأخذ بالجواب الذي يقوله أولئك المسؤولون، والأمر هنا للوجوب، قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾، إذًا فيجب الرجوع إلى أهل الذكر، ولا يجوز لهذا الضعيف الذي لا قدرة له على الاجتهاد أن يتعاطى الفتوى والحكم في أمر لا يعلم دليله، وليس له به علم، والله تعالى يقول دليلًا على ذلك: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].
وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قصة النفر – وهذا دليل ذكره بعض أهل العلم – الذين أصيب أحدهم بشجٍّ في رأسه فوقعت له جنابة، فأفتاه أصحابه لما سألهم بوجوب الغسل، فدخل الماء في رأسه فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أمرهم: «قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا فإنما شفاء العي السؤال».
والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يأخذون بهذا الأمر؛ فمنهم المجتهد ومنهم المقلد، فكان المجتهد يجتهد في المسألة فلا ينكر عليه، وكان المقلد أو الضعيف أو العامي يسأل العالم المجتهد فلا ينكر عليه، بل هكذا هي عادتهم وطبيعتهم، فوقع بذلك إجماع كما ذكر بعض أهل العلم.
نعم، هناك من أهل العلم من أوجب على كل أحد أن يأخذ الحكم بنفسه من الدليل، ولو كان عاميًّا، أي ليس من العلماء، وإنما يسأل العالم لينبِّه على مأخذ الحكم فقط، وهؤلاء منعوا من التقليد مطلقًا، وأخذوا ذلك من الآيات التي تذم التقليد في كتاب الله عز وجل التي فيها الإنكار على المشركين كقولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23]، ولكن الاستدلال بهذا الأمر فيه نظر؛ لأن الإنكار هنا على اتباعهم للباطل والعياذ بالله تعالى، أو على عدم مبالاتهم لاتباع القول حقًّا كان أم باطلًا، وهذا مما لا نقول به، كما ذكر الإمام السالمي رحمه الله تعالى عندما قال:
كذا اتباعُ القولِ حقًّا كان أو باطلًا نحجرُ إعْلانا
لأن هذا لم يُبالِ أبدًا أصابَ فوزًا أو مهامها الرَّدَى