⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ينبغي لنا أن نتحرَّى الدقة في مثل هذه المصطلحات التي نستعملها؛ فما يشير إليه من أمر أن الإيمان والعقائد لا تكون عن تقليد هو أمر مختلف عما يفهمه كثير من الناس.
فأن يوجد معبِّر من عالم يبيِّن للناس هذه العقائد وأدلتها، لا يعني بالضرورة أن الذي يتلقى عنه أنه صار مقلدًا له؛ لأن قناعته به وتصديقه إياه –يعني التصديق بالموضوع نفسه– فهذا ليس بتقليد.
مما يظنه كثير من الناس أنه من التقليد هو ليس بتقليد؛ حينما يعرض عالم حقائق الإيمان بالله واليوم الآخر وأركان الإيمان، فيتلقاها المتلقي بالقبول، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنه يقلد ذلك العالم تقليدًا أعمى، وأنه يقطع النظر عما أتاه به من أدلة ومن حجج وبراهين، بل في أغلب الأحوال يجد أن في قول ذلك العالم مقنعًا له، وأن نفسه اطمأنت إليه، وأنه يصدِّق هذه الأدلة، وأنها تحقق له القبول والرضا، فيعقد عزمه على ذلك الأمر، يعقد تصديقه، يعزم تصديقًا بذلك الأمر؛ هذا هو المقصود بالعقيدة.
أما أن يأتي ويقول: لا، أنا لا أكترث بهذه الأدلة والحقائق، وإنما قال فلان وأنا معه، فهذا هو التقليد المنهي عنه فيما يتعلق بأمور العقائد.
ثم إن العقائد نفسها على درجات؛ منها ما هو مما لا يسع جهله، وبوجود المعبِّر له يجب أن يؤمن به، ومنها ما هو من الفروع –وإن كان الناس اليوم يعدُّونه من العقائد– لكنه في الحقيقة من فروع العقائد، مما فيه خلاف ويحتاج إلى كشف وبيان وأدلة وردود على الأدلة الأخرى، فهذا لا يمكن أن يرقى إلى القضايا القطعية التي لا خلاف فيها والتي يؤمر المسلم بالدينونة بها.
فلا يمكن تعميم هذه القاعدة في سائر فروع العقيدة أو تفاصيل العقيدة مما يسع فيه الخلاف، أو مما يكون للناس فيه عذر وسعة، بحيث لا يُطالبون أن يعتقدوا فيه معتقدًا واحدًا، إن كان مجمل ما يعتقدونه مما يتصل بالأسماء والصفات، أو مما يتصل بالغيب واليوم الآخر، ومما يتصل بأركان الإيمان ومتعلقاتها، إن كان عندهم صحيحًا لا غبش فيه لديهم، رغم أنهم تلقَّوه من علماء ودرسوه في كتب ودرسوا مناقشاته، لكن الحقيقة أنهم أخذوه بعد قناعتهم به؛ فهذا هو المقصود، هذا الحد الكافي، والله تعالى أعلم.
قال: بماذا تقوم الحجة إذا كان الجمهور ليس متخصصًا في هذه الأشياء؟
بحسب نوع الموضوع؛ فمن الحجج ما يُكتفى فيه بالحجة العقلية، ومن الحجج ما لا بد فيه من السماع، والسماع يُقصد به أن يوجد المعبِّر الثقة الأمين الذي يكشف له عن حقيقة هذه القضية إن خطرت له على بال، أما إن لم تخطر له على بال أصلًا فلا يقال بهلاكه؛ لأنها لم ترد في خاطره أصلًا.