⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أبواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد، فإن للمفسرين اتجاهات في كشف سر استعمال هذا اللفظ المؤكد، وهو لفظ «كل».
فأغلب المفسرين يرون أن آية سورة البقرة، وفيها: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 193]، دون المؤكد اللفظي، إنما هي في المشركين من أهل مكة خاصة؛ لأن السياق القرآني يتحدث عن مقاتلة هؤلاء المشركين، فبالتغلب عليهم والانتصار عليهم يكون الدين لله تعالى، ولا حاجة إلى مؤكد لفظي؛ لأن المعنى المقصود خاص بالغلبة والنصر على هؤلاء دون من سواهم من أهل الشرك.
وأما السياق القرآني في آية الأنفال، فإنه يتحدث عن عموم المشركين، فلما كان الحديث عن عموم المشركين ومقاتلتهم، وما يؤول إليه من انتصار الدين، ناسب استعمال مؤكد لفظي يدل أيضا على عموم المعنى وشموله لكل أهل الشرك، فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39].
فجماهير المفسرين نظرت إلى السياق القرآني، وما ورد فيه من أن آية البقرة تدور حول مقاتلة أهل مكة، المشركين من أهل مكة، وأما آية الأنفال فإنها تتحدث عن عموم مقاتلة أهل الشرك.
وقلة من المفسرين التفتوا إلى نزول الآيتين، مع جودة ملحظهم؛ ذلك أن آية الأنفال – أو سورة الأنفال – مكية، بينما سورة البقرة مدنية، فتأكيد المعنى في السورة الأسبق نزولا أَدْعى، ولا حاجة – حينما يكون المعنى المتقدم مؤكدا بمؤكدات معنوية ولفظية – إلى إعادة هذا التأكيد في السورة المتأخرة نزولا، وهذا الذي ذهب إليه العلامة ابن عاشور في تفسيره، وهو توجّه حسن جيد.
وكلا المعنيين مقصود، سواء التفتنا إلى السياق الذي وردت فيه الجملة القرآنية، أو التفتنا إلى تاريخ النزول؛ فإن المؤدى هو بلاغة هذا البيان القرآني.
هل ينصرف معنى الدين هنا إلى المعنى اللغوي وهو الاستسلام؟ لا، ينصرف إلى ما أنزله الله تبارك وتعالى من وضع إلهي لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات؛ هذا التعريف للدين: أي ما شرعه الله تبارك وتعالى من أمر الدين، لا سيما فيما يتعلق بالتوحيد وإخلاص العبودية لله تبارك وتعالى، واستمداد العبادة منه جل وعلا؛ فهذا الذي يناسب السياقين.
والله تعالى أعلم.