⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
اما بعد فالجواب ان بين الموضعين فرقا فان سوره الانفال من اهم مقاصدها البيان والتعليم ولذلك كان مطلع السوره ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ فكان من المناسب لهذا السياق وهو سياق استفسار وتبيين من المؤمنين اصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عقب نصر الله تعالى لهم في بدر، فسألوا عن حكم الغنائم وسألوا عن اسباب النصر وعما يقابل عوامل النصر، فكانت السوره كاشفه لهم عما سالوا عنه وعما يحتاجون اليه من تبين عوامل النصر واسبابه.
فناسب هذا السياق ان ترد فيه كلمه ﴿وَاعْلَمُوا﴾، ولذلك تكررت كلمه ﴿وَاعْلَمُوا﴾ في سوره الانفال خمس مرات، جاءت في مطلع بعض الايات وجاءت في ثنايا ايات اخرى من نفس السوره، يكاد تكون سوره الانفال من حيث تكرر ﴿اعْلَمُوا﴾ فيها في المرتبة الثانية بعد سورة البقرة، رغم قصرها مقارنة بسورة البقرة وبسائر سور القرآن الكريم التي فيها أيضا تبيين وجواب عما اشكل على اصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم.
فيناسب سوره الانفال أن يرد فيها ما يكشف التعليم والبيان: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾، وفي هذه الايه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
لهذين السببين: السبب الاول لان من مقاصدها البيان والجواب عن اسئلتهم، والسبب الثاني انه يناسب روح هذه السوره ان يكون فيها ما يدل على التعليم والتبيين من الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين.
اما سوره التغابن فان الايه قبلها قد كشفت عن حقيقه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾، كشفت هذه الحقيقه، فناسب ان يجيء التذييل لهذه الحقيقه القرآنيه بقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، وهي مع كونها تذييلا هي ايضا في ذات الوقت تعليل لهذا الحكم المتقدم بذكر العله مشتمله على اكثر مما ورد فيما قبل؛ فان الايه قبلها قالت: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ﴾، وهنا قال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾.
فمن مقاصد هذه السوره ايضا تثبيت المؤمنين، من مقاصد سوره الانفال التعليم والبيان، اما سوره التغابن فانها جاءت لتثبيت المؤمنين عقيده وسلوكا، ولذلك في صدر السوره: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مما يقوي اليقين والايمان في نفس المتلقي، ثم جاءت الاحكام بعد ذلك تثبيتا وتحذيرا للمؤمنين، فلم يكن هناك حاجه الى ان تصدر بما ورد في سوره الانفال من ﴿وَاعْلَمُوا﴾.
وجاء الختام في هذه السوره، في سوره التغابن: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، على خلاف الختام في سوره الانفال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، لانها بمثابه الختام للاحكام المتقدمه، وهي ايضا تسبيب لما ياتي بعدها، اذ جاء بعدها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فهناك توطئه لهذا الامر الرباني من الله تبارك وتعالى ببيان انه جل وعلا عنده الاجر العظيم.
فلأجل هذه الاسباب اختلف السياق لاختلاف الموضع ولاختلاف روح السوره، او كما يعبر بعض المفسرين الجو العام للسوره والمقاصد التي من اجلها جاءت السوره والله تعالى اعلم.