⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أبواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم. أما بعد:
فالجواب: أن هؤلاء الورثة إن كانوا ممن يصح منهم الرضا شرعا، أي أنهم كانوا بالغين راشدين، ليس فيهم قاصر ولا فاقد للأهلية، ورأوا بمحض اختيارهم وبطيب نفوسهم أن يقسموا التركة بينهم بالتراضي، فلا مانع من ذلك.
لكن الأولى لهم أن يلتزموا بالأنصبة الشرعية التي قررها كتاب ربنا جل وعلا، وسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في قسمة المواريث؛ فإن ذلك أطيب للنفوس، وأرفع للنزاع.
ثم بعد ذلك يمكن أن يتنازل ذو النصيب الأكبر لمن شاء من إخوانه أو أخواته؛ فهذا من باب الاحتياط مخافة أن يكون في نفوس بعض الورثة شيء من الحرج والاستحياء من باقي الورثة إن لم يرض بقسمة التراضي.
فالأولى أن يكون التقسيم بينهم بحسب الفرائض المحددة شرعا، ثم بعد ذلك يكون التنازل، لكن هذا كما تقدم لا ينفي جواز أن يتقاسم هؤلاء بالتراضي بينهم إن تحققت الشروط المذكورة.
هناك أمر آخر يتعلق بموضوع التراضي أيضا، وهو أن يتراضى الورثة بأن لا يقسموا الميراث إلا في وقت متأخر جدا، يحدث في هذه الأثناء أن يتوفى أحدهم أو شيء من هذا القبيل، المهم هذا نوع من التراضي أيضا الذي يستبقي الميراث مكانه دون قسمة.
كثيرا ما كان التنبيه على أن مثل هذا الفعل خطأ؛ لأنه يؤدي إلى إضاعة الحقوق، وتتعقد التركات، فمنهم من يلحق بموَرِّثه ويستحق وراثة، ومنهم من هو محتاج لكنه يستحي أن يبدي ذلك، والأموال كذلك تتغير أثمانها، واحتياجات الورثة يمكن أن تتغير.
ولذلك فإن الميراث ينبغي أن يُبادر إلى قسمته، وأن يُعَجَّل في إعطاء كل ذي حق حقه، وهكذا الشأن فيما يخلِّفه الميت؛ فتؤدى الحقوق إلى أصحابها؛ يبدأ بالديون: بديون الناس فتؤدى إليهم، ثم يُنظر في حقوق الله تبارك وتعالى التي أوصى بها فتُخرج، ثم في الوصايا بحسب نوع الوصايا: إن كانت لأداء حقوق فإنها من رأس المال، وإن كانت لمحض تبرعات فإنها من الثلث المسموح أن يوصي به المسلم، ثم بعد ذلك يقتسم الورثة باقي التركة بحسب الأنصبة المقررة لهم شرعا.
لِما في تأخير قسمة الميراث من المفاسد والأضرار، وقد رأينا حوادث كثيرة تضيع فيها الحقوق، وتتعقد فيها أحوال التركات.
أذكر على سبيل المثال أني قضيت منذ سنوات قليلة حَوْلَ شهرٍ كاملٍ أَحُلُّ فيه مسألة ميراث واحدة فقط بسبب تعقدها؛ كانت المسألة ثلاثة أجيال، وكل جيل له ورثة، ولكل وارث منهم ورثة، فحتى انضبطت، لا من حيث الأنصبة والفرائض التي يستحقها الورثة في كل جيل، وإنما من حيث قسمة المال؛ لأن أصحاب الشأن أيضا لا يتقنون القسمة، فهم لا يكتفون بأن تُبيَّن لهم الأسهم، وإنما يريدون قسمة المال بين الورثة، فمنضبطت المسألة إلا في آخر الشهر، في آخر شهر رمضان المبارك.
فمثل هذه المسائل ينبغي أن يُبادَر فيها إلى أداء الحقوق إلى أصحابها، وإبراء الذمم، وتسهيل الأمور لا تعقيدها، والله تعالى المستعان.